مقالات الأهرام اليومى

بناء الموقف العربي في وقت الأزمات جولة جديدة للرئيس مبارك

تبدو في الأفق العربي أزمات جديدة‏,‏ وهناك أزمات أخري قائمة‏,‏ لكن تطوراتها تنذر بكثير من الأخطار‏,‏ والحقيقة أن بعض هذه الأزمات لاتحتمل الانتظار للتشاور بشأنها عن طريق القنوات التقليدية‏,‏ كما يتطلب بعضها الآخر بناء موقف عربي يكتسب قوته من توحد العرب خلفه‏.‏

وفي هذا الصدد يجدر بنا الإشارة إلي أنه في يوم الأحد الماضي حلت الذكري الأولي لمبادرة الرئيس حسني مبارك بتعديل المادة‏76‏ من الدستور التي أتاحت الفرصة لانتخاب رئيس الجمهورية من بين أكثر من مرشح عن طريق الاقتراع السري المباشر‏,‏ وبعثت حالة من الحراك السياسي غير المسبوق في التاريخ المصري المعاصر‏.‏ وكان لها صداها الإقليمي والدولي‏.‏ فقد ظهرت مصر بفضلها دولة قادرة علي إدارة شئونها وبرامجها الإصلاحية من وحي مصالحها الوطنية وليس استجابة لضغوط خارجية‏,‏ وأصبحت نموذجا يحتذي به في دعوات الإصلاح بالعالم العربي‏.‏

وفي صبيحة هذا اليوم الذي واكب ذكري المبادرة التاريخية‏,‏ بدأت رحلة الرئيس العربية في محطات شملت ليبيا وخمس دول خليجية هي الإمارات والبحرين وقطر والكويت والسعودية‏.‏ وقد ظل الرئيس علي مدي ثلاثة أيام يجري مباحثات لم تتوقف في الدول الست بهدف بناء موقف عربي موحد في مواجهة تداعيات أزمات سوف تترك نتائجها كثيرا من الظلال علي المستقبل المنظور في العالم العربي‏,‏ ومن ثم الوصول إلي آلية جديدة موازية لآليات التشاور العربية في مواجهة الأزمات الطارئة وتداعيات الأزمات القائمة‏.‏ كما كان الرئيس يهدف في الوقت نفسه إلي تفعيل نتائج آليات التشاور التقليدية‏.‏

وقد وضع الرئيس في رحلته أسسا جديدة للتباحث بين القيادات السياسية العربية‏,‏ لتكون قادرة علي الاستجابة السريعة لما يحدث حولها‏.‏ لاتحد من قدراتها القيود التي تفرضها قنوات التشاور الرسمية التقليدية‏,‏ وتكون قادرة أيضا علي التفاعل العربي النشيط والسريع في مواجهة التطورات المفاجئة وغير المتوقعة‏.‏ فالعصر الذي يعيشه العالم العربي اليوم هو بحق عصر الأزمات التي تفرض تحركا أسرع خطي من تلك التي تأتي بها القنوات القائمة‏.‏

لقد عرف الأوروبيون شيئا من ذلك‏,‏ وعبر تلك القنوات تحققت معظم أحلام التضامن الأوروبي‏.‏ إذ لاشك أن هذه الآلية الجديدة تسمح بالمشاورات السريعة غير الرسمية وبناء مواقف تفرضها الأحداث المفاجئة وما أكثرها في العالم العربي والشرق الأوسط‏.‏ ولعل الاستجابة العربية لرؤية الرئيس مبارك‏,‏ بالدعوة إلي قمة عربية تشاورية بلا رسميات أو جدول أعمال مسبق في شرم الشيخ تعكس نظرة متعمقة لآليات التواصل السياسي في العالم العربي‏,‏ وتشير إلي استجابة القيادات السياسية العربية لروح العصر نحو بناء نظام عربي متجدد وحر الحركة‏,‏ يواجه الأزمات ويخطط لمستقبل يبني منطقة متكيفة مع عالمها‏.‏ وأؤكد هنا بوضوح أن الآلية الجديدة للتواصل السياسي العربي ليست بديلا عن قنوات التشاور التقليدية‏,‏ ولكنها داعمة لها ودافعة لقدراتها علي بناء موقف ونظام عربي في مواجهة التكتلات الإقليمية والدولية الراهنة‏.‏ ولذلك كان الهدف الرئيسي لتحرك الرئيس في جولته العربية المكثفة هو بناء موقف عربي يمهد الطريق أمام القمة العربية التي تنعقد في نهاية الشهر الحالي بالعاصمة السودانية‏,‏ فالقمة المقبلة‏,‏ وهي أرفع قنوات التشاور العربية القائمة تواجه الكثير من القضايا والملف
ات الشائكة‏,‏ فالأحداث تشتد سخونة في فلسطين والعراق ودارفور وتضاف إليها أزمات أخري تنذر بشئ من الخطر‏,‏ في مقدمتها الأزمة النووية في إيران‏.‏ وبالنظر إلي خطورة تلك القضايا علي مجمل الأوضاع العربية‏,‏ فإن القمة المقبلة مطالبة بموقف عربي فعال لايقل في تأثيره عن القوي الدولية الأخري‏.‏

ولكي يمكن للقمة العربية أن تخرج بموقف يستمد قوته من تماسكه ودعم العرب جميعا له‏,‏ كان من الضروري الإعداد لهذا الموقف وتوفير كل مقومات القوة له‏,‏ ومن هنا جاءت أهمية رحلة الرئيس العربية‏.‏

أسامة سرايا
*‏ ففي فلسطين أحدث اختيار الشعب الفلسطيني في الانتخابات الأخيرة الكثير من التغيرات في المواقف الإسرائيلية والأمريكية والأوروبية‏,‏ وبات الفلسطينيون قيد التهديد الاقتصادي والسياسي والعسكري‏,‏ بعد أن عززت الديمقراطية الفلسطينية مكانة فصيل رافض لعملية السلام أو متحفظ عليها‏,‏ كما أن المجتمع الدولي راغب في عقاب حماس‏,‏ مع ما ينطوي عليه هذا العقاب من تهديد للشعب الفلسطيني‏.‏ أما الموقف المصري فلقد رفض منذ البداية مبدأ عقاب الشعوب علي اختياراتها‏,‏ وأكد أن دعم القضية الفلسطينية ينبغي أن يستمر لأنها القضية الرئيسية في المنطقة‏,‏ وأن التباطؤ أو التراجع عن دعمها سوف يلحق الأضرار بالمنطقة بأسرها‏,‏ وجاءت دعوة الرئيس مبارك أنه ينبغي البناء علي ما تحقق بشأن الحقوق الفلسطينية‏,‏ وألا يصبح فوز حماس في الانتخابات ذريعة للتنصل من تعهدات أوروبية وأمريكية بل إسرائيلية سابقة‏.‏ وقد نجح بالفعل في تحريك الموقف الدولي صوب الرؤية المصرية‏.‏ وأصبح العرب مطالبين بموقف موحد يدعم حقوق الفلسطينيين في كل المحافل الدولية‏,‏ وأن تبني عليه كل التحركات العربية في المرحلة المقبلة‏,‏ وهذا الموقف إذا تحقق فإنه سوف يساعد علي إحباط خطط الراغبين في التنصل من تعهدات ووعود سابقة وإفشال الجهود التي بذلت طوال السنوات الماضية من أجل إقرار الحقوق الفلسطينية والتفاوض بشأنها‏.‏

*‏ وفي العراق تتفاقم الأوضاع منذرة بحرب أهلية تظهر إرهاصاتها علي الساحة العراقية الآن‏.‏ ولاشك أن استمرار الأوضاع الراهنة ينذر بعواقب تنال من الأمن القومي العربي‏,‏ ولابد من تحرك عربي ينطلق من مصلحة الشعب العراقي والمصالح العربية العليا‏,‏ ومن موقف موحد لاستعادة وحدة الشعب العراقي‏,‏ ومواجهة أسباب الفتنة القائمة ووضع نهاية لاحتلال أرض العراق وتمكين العراقيين من تولي مقاليد السلطة في بلادهم بعيدا عن أي تدخلات خارجية مهما يكن مصدرها‏,‏ ومساعدتهم علي تجاوز آثار الدمار التي لحقت بكل شئ في العراق‏,‏ فلقد أصبح ما يحدث في بلاد الرافدين مؤلما لكل ضمير عربي سواء أكان مصدره بعض العراقيين أم غيرهم‏.‏

ولقد تزامنت رحلة الرئيس إلي الخليج مع دخول العنف في العراق مرحلة أكثر احتداما بوقوع نزاعات طائفية مسلحة فجرت مخاوف العرب من صراع سني ـ شيعي طويل علي أرض العراق‏,‏ إذ إن انعكاسات هذا الصراع الإقليمية والدولية ستكون صعبة‏.‏

وإذا تركنا العراق وانتقلنا إلي حدوده فسنجد هناك أزمة جديدة تنطوي علي خطر مباشر يهدد العرب جميعا‏..‏

فقد وصلت الأزمة النووية الإيرانية إلي حدود المطالبة بالمواجهة العسكرية إذا فشلت الجهود السياسية في احتوائها‏,‏ وهكذا أضيفت إلي أزمات العرب واحدة جديدة تنذر بنتائج خطيرة‏.‏ وقد أكد الرئيس مبارك أن تلك الأزمة لايمكن تجاوزها بالحل العسكري‏,‏ فمازالت تجربة هذا الحل في العراق قائمة‏,‏ وكلنا يعلم الأوضاع المتردية التي ترتبت علي الحرب العراقية واحتلال البلاد‏.‏

ومن هنا فإن الموقف العربي لابد أن يدفع المجتمع الدولي صوب الحلول السياسية مهما تستغرق من وقت‏,‏ وإلا فإن وضعا مرعبا ينتظر المنطقة بسبب الحلول العسكرية‏.‏ وعلي الرغم من أن الموقف الإيراني من مصر مازال ينطوي علي شئ من العداء‏,‏ ودعم قوي التطرف التي تستهدف الاستقرار في مصر‏,‏ فإن حكمة الرئيس ورؤيته السياسية العميقة تفصل بين ما هو خطير وما هو أخطر‏,‏ وتضع الفروق بين ما هو عام يمس الأمن العربي‏,‏ وما هو خاص بمصر‏.‏ فلقد فرض الملف الإيراني نفسه علي جولة الرئيس ومحادثاته من منطلق أهمية أن يكون للعرب موقف موحد واضح ومعلن بشأن تداعيات الأزمة الإيرانية‏.‏ فالحقيقة الواضحة أن الحروب وأعمال العنف في المنطقة العربية لم تضع نهاية لمشكلة أو أزمة‏,‏ بل إن كثيرا من الحروب زادت من حدة المشكلات‏,‏ وفي النهاية كان لابد من الحلول السياسية برغم صعوبتها‏,‏ ومن هنا فإن الموقف العربي الذي نادي به الرئيس هو محاصرة التوسع في النزاعات الإقليمية وتكريس أساليب التفاوض بديلا عن بارود الحرب عند البحث عن حلول لأزمات المنطقة‏.‏

وعندما ننتقل إلي الخرطوم نجد أن القمة العربية ستنعقد في وقت يواجه فيه السودان موقفا دوليا مناقضا لمبدأ السيادة‏,‏ ولاشك أن نجاح هذه القمة سوف يكون تأكيدا لمكانة السودان في النظام العربي‏,‏ واعترافا بدوره في منظومة أمن العرب‏.‏ ومن المهم أن نشير إلي أن السودان في حاجة إلي دعم عربي ورؤية عربية موحدة لإيجاد مخرج من الأزمة المتفجرة علي أرضه‏,‏ وأن يضاف هذا الدعم إلي قدرات السودان الذاتية في مواجهة أزماته التي فرضت عليه من خارجه‏,‏ فالأزمة في دارفور قد تجاوزت حدود الإقليم والدولة إلي مخلب قط لقوي دولية تريد الوجود في هذه المنطقة من العالم التي تمثل محيطا حيويا لمصر والعالم العربي علي السواء‏.‏ ولاشك أن الوضع في السودان الآن لاتجدي معه أنصاف المواقف أو الحسابات القطرية الضيقة‏,‏ وقد أصبح مرهونا بموقف متماسك لاتقوي علي اختراقه قوي متربصة بالعرب من الجنوب‏.‏

لقد سعي الرئيس مبارك في رحلته الأخيرة إلي بناء موقف عربي يواجه المشكلات القائمة‏,‏ في الوقت الذي تريد فيه قوي أخري تحييد هذا الموقف‏,‏ أو إجهاضه أو إضعافه‏,‏ لتظل هي المحرك الأقوي لوتيرة الأحداث وشدتها وتوقيتها ونتائجها‏.‏

ولقد بذل الرئيس‏,‏ علي مدي ثلاثة أيام‏,‏ جهودا مكثفة لبناء هذا الموقف الذي يؤكد الوعي العربي بتحديات اللحظة الراهنة‏,‏ وأظهر خبرة وقدرة علي قراءة الخريطة غير المرئية للعرب والقوي المحيطة بهم‏,‏ وقد عبر عن اقتناع عميق بأن قدرة العرب تكمن في مواقفهم وأن قوتهم من قوة مواقفهم‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى