مقالات الأهرام اليومى

التحرك السياسي المحسوب نحن .. والحكومة الجديدة

مثل كل شيء في سياساتنا الداخلية والخارجية‏,‏ التي تقوم علي أسس دقيقة ومعايير محسوبة‏..‏ ظهرت الحكومة الجديدة وهي محور حديثنا اليوم‏,‏ بكل ما تحمله من مؤشرات حول مستقبلنا‏,‏ فالحقيقة أنها تتجه نحو الحسم بدلا من التردد في مواجهة مشكلتنا الاقتصادية‏,‏ وهو الخيار الذي تأخر طويلا‏,‏ كما أنها تضع تصورا متكاملا لإدارة قضايا البعد الاجتماعي الضرورية لأغلبية أبناء شعبنا بهدف الوصول إلي غير القادرين بخدمات حقيقية تفي باحتياجاتهم الملحة‏,‏ وتعظيم المردود الاجتماعي للتكلفة التي يتحملها الاقتصاد لدعمهم‏,‏ والتي تصل إلي أكثر من‏100‏ مليار جنيه دون أن يشعر المستحق بها‏.‏

وقبل الحديث عن هذه القضية أتوقف عند تحرك الرئيس حسني مبارك الأخير‏,‏ والذي لم يستغرق سوي ساعات محدودة في جدة وباريس من أجل القضايا العربية الملحة والتي تتعلق بالمخاطر التي تواجهها المنطقة وتتشابك تأثيراتها وتداعياتها‏.‏

ولأن قضايا الشرق الأوسط كلها مترابطة‏,‏ ويتداخل فيها الشأنان الداخلي والإقليمي‏,‏ كما يتداخل الشأن السياسي مع الاقتصادي‏,‏ والعكس‏..‏ فإن الرؤية التي تحكم هذا التحرك يجب أن تدعونا إلي التوقف أمامها بكثير من الاحترام والتقدير وعمق الرؤية وحكمتها‏..‏ فقد استشعرت مصر مخاطر الضغوط علي سوريا ولتجنيبها الآثار الجانبية بشقيها الأمني والاقتصادي ولإلتزامات مصر نحو أشقائها في سوريا و لبنان‏,‏ فلقد تحركت وهي تدرك جوانب المعادلة الصعبة‏,‏ ومن منطلق رؤية جديدة محورها أن احترام دمشق للقرارات الدولية الرامية إلي كشف مرتكبي جريمة اغتيال رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان الأسبق‏,‏ لايعني الأضرار بالنظام والشأن الداخلي السوري‏..‏ فالأنظمة والدول تبقي‏,‏ ومن يرتكب الجرائم تتم محاكمته‏,‏ بل أن الشعوب والأنظمة تظهر وتقوي عندما تواجه مثل هذه الأزمات‏.‏

هذه الرؤية تتم ترجمتها علي أرض الواقع‏,‏ إذ لاشك أن اتفاق مصر والسعودية عليها واقتناع دمشق بها ساعدنا علي الخروج من الأزمة التي تهدد الاستقرار في الشام الكبير وتدفعنا إلي الارتياح حتي لا تتحول هذه الأزمة ـ بفعل الأخطاء ـ إلي كرة ثلج يلعب بها السفهاء ولا تقع فريسة لحروب الشهود أو تلاعب الفضائيات في قضية وطن كبير‏,‏ ويجب علينا ألا نفتح جبهة جديدة للحروب أو الإرهاب‏,‏ فأمامنا عمل طويل وشاق لترميم أخطاء الماضي والحاضر في فلسطين والعراق‏,‏ وهما جرحان كبيران وخطيران ينزفان في جسم الأمة بعمق وألم‏,‏ وفي منطقة ملتهبة تتكاثر فيها النيران‏,‏ ومجتمع عالمي يقوده التطرف وتسيره القوة وتغيب عنه الحكمة والعدالة‏.‏

إن معالجة القضايا والأزمات الاقليمية برؤية متكاملة كانت ومازالت الفريضة الغائبة التي تنقص منطقتنا وصناع القرار فيها‏,‏ وأعتقد أن تاريخ الشرق الأوسط الحديث سيقف طويلا أمام حكمة مبارك في إدارة الصراعات الإقليمية‏.‏ فهو لم يتوقف عن معالجة المشكلة الفلسطينية بكل تفصيلاتها وصراعاتها وتقلباتها سواء بين الفلسطينيين وبعضهم بعضا من ناحية‏,‏ ومع الإسرائيليين من ناحية أخري‏,‏ وإنما اتخذ موقفا حاسما منذ البداية في قضية العراق‏,‏ فأعلن أنه ضد الحرب وقدم نصائحه الغالية للجميع وواصل معالجة تداعيات هذه القضية‏,‏ وما ترتب عليها من مخاطر‏,‏ وهو اليوم يلملم أخطاء الجميع ويعمل بجد في استخراج المخرج من قلب المأزق مثل الجراح المبدع في جسد منطقة تكالبت عليها الأمراض وأخطاء الأطباء‏.‏

وأصبحت قضيتنا أن نفهمه ونقدر دوره فهو يملك رؤية وحكمة سوف تساعدنا علي الخروج من الأزمات والكوارث‏,‏ ولكي تنجح رحلته الأخيرة وتخرج سوريا ولبنان من هذه الأزمة الدقيقة يجب أن نساعدهما معا علي قراءة متأنية لأوضاعنا الداخلية والمتغيرات العالمية وأن نغلب الحكمة وندفن الضغائن ونبدأ فورا في المعالجة والتصحيح لوقف التدهور وعدم الإنزلاق نحو الصراعات فلقد بدأ الرئيس مبارك المشوار وعلي الجميع استكماله‏.‏

وأعود إلي القضية التي تشغل مصر كلها‏,‏ وهي مستقبلنا الاقتصادي والسياسي وما عكسته مؤشرات الحكومة الجديدة‏.‏ فقد أثارت هذه الحكومة‏,‏ التي أعلن تشكيلها في بداية هذا الاسبوع تساؤلات تبحث عن إجابة‏,‏ وتحليلات تستبق الأحداث‏,‏ وتقفز سريعا إلي الأحكام‏.‏

وبقراءة سريعة لملامح الحكومة نجد أن نصف الوجوه الجديدة التي جاء بها التشكيل الوزاري ينتمون إلي فئة رجال الأعمال‏,‏ وهو ما يرفع حصة هذه الفئة في الوزارة إلي ست شخصيات تتولي وزارات الصناعة والتجارة والإسكان والزراعة والنقل والصحة والسياحة‏.‏ ولذلك ذهبت معظم التحليلات بشأن الحكومة الجديدة إلي افتراضات كثيرة تصب جميعها في اتجاه استبدال مسئوليتها التجارية والاقتصادية بدلا من مسئوليتها السياسية‏,‏ وهو اتجاه يثير مخاوف البعض في ظل انتشار البطالة والمعاناة الاقتصادية‏,‏ وتصاعد الآمال في أن تشهد المرحلة المقبلة انفراجا في الأوضاع الاقتصادية لمحدودي الدخل‏.‏

أسامة سرايا
والحقيقة أن هذه المخاوف تسكن فينا تاريخيا أكثر مما تسكن واقعنا وواقع غيرنا ممن حققوا نجاحات في عبور آمن لأزماتهم الاقتصادية‏.‏ فحين تشكلت حكومة الدكتور أحمد نظيف الأولي راجت بيننا مقولات مشابهة‏,‏ وبرغم أن عمر تلك الحكومة لم يتعد عاما ونصف عام واستغرق الإصلاح السياسي منها عاما كاملا فإنها تمكنت من قطع خطوات كبيرة علي طريق الإصلاح وفق تقارير المنظمات الاقتصادية والمالية العالمية‏.‏ ولذلك ليس في واقعنا ما يدعم هذه التخوفات التي عاودتنا مع حكومة نظيف الثانية أو يبررها لعدة اسباب أهمها مايلي‏:‏

أولا‏:‏ إن التخوف من تولي رجال الأعمال حقائب وزارية ناتج عن عوامل نفسية أوجدتها سنوات طويلة من العداء غير المبرر لهذه الفئة من قوي الإنتاج في المجتمع‏.‏ فقد مرت سنوات طويلة تم الربط فيها بين الرأسمالية الوطنية التي تمثل الآن في الغالب رجال الأعمال وبين العداء لقوي الشعب العامل لأهداف سياسية لم يكن للاقتصاد علاقة بها‏.‏ وبعد نحو ثلاثة عقود من بداية الإصلاح الاقتصادي مازالت هذه النظرة قائمة بأشكال مختلفة‏,‏ خاصة أن مهمة التحول بالاقتصاد المصري أسندت لفترة طويلة إلي عقليات لم تتخلص من بقايا الفكر الاشتراكي‏,‏ ووجدت فرصتها في انحراف قلة من رجال الأعمال لتنال منهم جميعا وتابعتهم في ذلك افلام السينما ومسلسلات التليفزيون‏.‏

والمفارقة الغريبة أن كثيرين ممن أخذوا علي ثورة يوليو أنها قضت علي صناعات وخبرات رائدة تكونت في القطاع الخاص بسبب سياسات التأميم‏,‏ يقولون إنها لاتواصل الاهتمام نفسه بهذا القطاع في الوقت الراهن‏.‏ وكأن رجال الصناعة والتجارة والزراعة الذين ظهروا قبل التأميم وأصبحوا محل الاحترام والتقدير العام قد تحولوا إلي شخصيات تاريخية غير قابلة للتكرار في العصر الحاضر‏.‏

صحيح أن المجتمع أصبح الآن أكثر تسامحا مع القطاع الخاص في نشاطه التجاري‏,‏ إلا أنه لايبدي القدر نفسه من التسامح معه في ممارسة السياسة ومنها تولي مناصب الوزراء‏.‏

ثانيا‏:‏ أن الحكومة الجديدة بما تضمه من سياسيين‏,‏ أو تكنوقراط‏,‏ أو رجال أعمال مكلفة بمهمة واضحة ومحددة‏,‏ وهي البدء في وضع برنامج الرئيس حسني مبارك الانتخابي موضع التنفيذ‏,‏ وقد أكد الرئيس ذلك مرارا في تصريحاته‏,‏ وخطاب تكليف الحكومة‏..‏ والحقيقة أن برنامج الرئيس قد أصبح وثيقة تعاقدية‏,‏ اجتماعية وسياسية محددة المعالم‏,‏ ولايحتمل كثيرا من التأويل أو الاختلاف‏.‏

ومن أوضح ما جاء في هذا البرنامج ما يتعلق بالبطالة‏,‏ ورفع مستويات معيشة الفقراء والطبقة الوسطي‏,‏ وتأكيد دور الدولة في توفير الرعاية بأشكالها المختلفة لغير القادرين‏.‏ وفي هذه الحالة ليس هناك مجال للخوف من أن يدخل الحكومة رجل أعمال أو سياسيون أو غيرهم مادام هذا البرنامج هو المحك في تقويم أداء الحكومة الحالية‏,‏ أو غيرها خلال السنوات الست المقبلة‏.‏

ومن الواضح أن كثيرين من المحللين لتشكيل الحكومة الجديدة قد تجاهلوا هذه الحقيقة في توقفهم أمام تزايد عدد رجال الأعمال‏,‏ بالرغم من ظهور وزارة جديدة للتضامن الاجتماعي تعني بشئون الذين قد يتضررون من التحول الاقتصادي‏.‏ والحقيقة أن هذه الوزارة تحتاج إلي كثير من الدعم في مواجهة مهام تفصيلية‏,‏ جاء بها برنامج الرئيس الذي نستطيع وصفه بالتحيز الواضح للطبقات غير القادرة‏.‏

الحسم بدلا من التردد في الاقتصاد‏..‏ والآن في تحرير الخدمات
ثالثا‏:‏ سادت خلال العقود الثلاثة التي انقضت من عمر التحول الاقتصادي في مصر سياسات التردد بدلا من الحسم في إصلاح الأوضاع المتردية للاقتصاد المصري‏.‏ وبين ثنايا هذه السياسات ضاعت فرص كثيرة كان يمكن أن تضعنا في موقف أفضل‏.‏ فالفجوة التي تفصل بيننا وبين الاقتصاد العالمي تزداد في الوقت الذي أصبحنا فيه جزءا من هذا الاقتصاد ـ نخضع لما يخضع له ـ ونلتزم بما يلتزم به‏.‏ والحقيقة أننا تحدثنا عن الاقتصاد الحر أكثر مما أنجزنا من أجله‏,‏ وكانت الكلمات ـ أكثر من الأفعال ـ هي وسيلتنا لتشجيع القطاع الخاص‏,‏ وجذب الاستثمارات الأجنبية‏.‏ والنتيجة أننا بدأنا التحول الاقتصادي قبل غيرنا في محيطنا الإقليمي لكننا أصبحنا اليوم نحتل مرتبة تالية لهم فيما تم من إنجازات حقيقية في مجال الإصلاحات الهيكلية‏.‏

إن الحكومة الجديدة تعكس خيار الحسم في مواجهة مشكلاتنا الاقتصادية‏,‏ وهو الخيار الذي تأخر طويلا وظهر بوضوح في حكومة نظيف الأولي منذ عام ونصف العام في مجالات الاقتصاد‏,‏ ويبدو أنه ينتقل نحو تحرير الخدمات بقوة ستغير شكل ومستقبل مصر وصورتها الآن وفي المستقبل‏,‏ ولم يعد يحتمل المزيد من التأجيل‏.‏ فقد بات من المحتم أن نسير في اتجاه التشغيل الاقتصادي لموارد الدولة وحساب التكلفة الاقتصادية لكل خطوة وتهيئة المناخ للاستثمار‏,‏ وتوفير فرص عمل حقيقية ذات مردود اقتصادي‏.‏ ولن يكون ذلك علي حساب غير القادرين‏.‏ فالبعد الاجتماعي ليس عائقا يحول دون الإصلاح الاقتصادي ولكن الكيفية التي تدار بها قضاياه هي التي أضرت به وبالاقتصاد أيضا‏,‏ إذ لاشك أن السياسات الماضية قد خلطت بين البعد الاجتماعي والبعد الاقتصادي‏,‏ فلا حلت مشكلات البعد الاجتماعي‏,‏ ولا راعت البعد الاقتصادي‏.‏ ودفع الاقتصاد والفقراء الثمن مرتين‏.‏

وأقول بوضوح شديد إن الوصول إلي غير القادرين بخدمات حقيقية تفي باحتياجاتهم الملحة يفرض علينا إتباع سياسات جديدة أكثر فاعلية من تلك السياسات التي مارسناها وعايشنا فشلها في تخفيف الأعباء‏.‏ وهي بحاجة إلي تدبير الموارد الاقتصادية اللازمة‏.‏ فنحن اليوم أمام خيارات جديدة تفرض علينا حلولا عملية وواقعية لمشكلة تشابكت وتعقدت‏,‏ وأصبحت هاجسا سياسيا وشعبيا علي السواء‏.‏ وأحسب أن الوزراء الوافدين علي التشكيل الوزاري الجديد من الاقتصاد الحر لديهم تجربة اقتصادية عريضة في الإدارة الاقتصادية للموارد المتاحة‏.‏ وهذه التجربة ربما تطرح حلولا عملية لمشكلة البعد الاجتماعي وأعبائها الاقتصادية‏.‏

وتمثل مواجهة مشكلة البطالة المثال الأوضح في هذا السياق‏.‏ فمعدلات البطالة تنذر بالكثير من الأخطار‏,‏ ولابد أن تحتل قائمة أولويات عمل الحكومة‏.‏ وهذه المشكلة يمكن حلها بطريقتين‏:‏

إما النظر إليها من زاوية البعد الاجتماعي فنفتح أبواب التعيين أمام المزيد من الخريجين‏,‏ والنظر إلي المرتبات التي يحصلون عليها‏,‏ باعتبارها إعانة اجتماعية ونثقل في الوقت نفسه كاهل الاقتصاد‏,‏ ونزيد أعباء الجهاز الإداري بها‏.‏

أو النظر إليها من زاوية القيمة الاقتصادية لعمل هؤلاء الشباب بما يستوجبه ذلك من مشروعات جديدة تتيح فرص عمل حقيقية ذات إنتاج فعلي يدعم القدرات الاقتصادية‏.‏

و الحل الأخير يوحي بأهمية التدريب وتغيير سياسات التعليم وإعادة التأهيل وفتح أبواب الاستثمار في مشروعات جديدة‏.‏ وهو وإن كان الحل الأصعب‏,‏ فإنه يمثل مواجهة حقيقية لأزمة البطالة بدلا من تأجيلها‏.‏

أيضا في إطار المخاوف المتداولة ظهرت قضية رعاية الفئات غير القادرة في المجتمع في ظل حكومة يتولي فيها ستة من رجال الأعمال وزارات لها أهميتها الخاصة‏,‏ مع أن هذه الحكومة هي التي ضاعفت مخصصات الضمان الاجتماعي في الموازنة الجديدة للدولة‏.‏ وهنا ينبغي أن نؤكد حقيقة مهمة‏,‏ وهي أن قضية الدعم تشغل الوزارات المتعاقبة منذ ثلاثة عقود‏.‏ وظلت المشكلة التي عجزنا عن حلها هي تحديد مستحقي الدعم‏.‏ فالاقتصاد المصري محمل بنحو‏100‏ مليار جنيه من الدعم‏.‏ ومع ذلك ظل محدودو الدخل يعانون‏,‏ وظل الاقتصاد ينوء بهذا العبء المالي الكبير عاما بعد آخر‏.‏ فلا الحكومة حررت الاقتصاد من هذا العبء‏,‏ ولاهي تمكنت من تخفيف الأعباء علي المستحقين الحقيقيين‏.‏ وكان لابد من وقف هذا الهدر في مواردنا الاقتصادية حفاظا علي المال العام‏,‏ والبحث عن صيغ جديدة لوصول الدعم إلي مستحقيه‏.‏

فالاقتصاد المصري محمل بستة آلاف جنيه سنويا لكل طالب في المرحلة الجامعية والناتج النهائي معروف‏.‏ وكمية الغاز التي تملأ اسطوانة واحدة تبيعها الحكومة بثمانية وأربعين قرشا‏,‏ في حين أن تكلفتها الحقيقية ثلاثون جنيها‏,‏ كما وصل دعم رغيف الخبز إلي ثلاثة عشر قرشا‏,‏ ليكون مصيره في النهاية إلي حظائر تربية الدواجن والماشية‏.‏

أما عن تخوف البعض من قضية تحرير الخدمات التي هي جزء من تحرير الاقتصاد فإنها مشاركة المجتمع في تكلفة هذه الخدمات‏,‏ ولاتنطوي علي رغبة الحكومة في الانسحاب الكامل منها‏.‏ فتحرير الخدمات تعبير عملي عن العدالة الاجتماعية‏.‏ وإذا كان الجمع بين المالية والتأمينات في وزارة جديدة قد أثار المخاوف بشأن أموال التأمينات‏,‏ فإن الدولة في كل الحالات تضمن أموال التأمينات‏,‏ ولابد من أن تستثمرها اقتصاديا لتوفير موارد جديدة لدعم القدرات الاقتصادية‏.‏ فلقد استثمرت الحكومة خلال السنوات الماضية في العديد من المشروعات نحو‏509‏ مليارات جنيه‏,‏ ولو أن هذه المشروعات تأجلت لكانت تكلفتها اليوم تزيد كثيرا علي ألفي مليار جنيه‏.‏

وتبقي كلمة أخيرة فيما يتعلق بوزارات الخدمات‏,‏ ومنها الصحة والتعليم والنقل والضمان الاجتماعي‏.‏ فالخدمات التي تقدمها الحكومة للمواطن البسيط تمثل عبئا هائلا علي الاقتصاد‏,‏ ومع ذلك فإنه لايشعر بها بسبب مستويات الأداء المتدنية في التعليم والصحة والشئون الاجتماعية والنقل وغيرها‏.‏ وبالتالي فإن لغة الأرقام لم تعد تجدي وحدها في بيان حقيقة الخدمات التي تقدمها الدولة للمواطن‏.‏ فقد أصبحت الخدمات بمستويات الأداء الراهنة جهدا ضائعا‏.‏ ولابد من تعظيم المردود الاجتماعي للتكلفة التي يتحملها الاقتصاد بحيث يشعر المواطن أنه يحصل بهذه الخدمات علي حق أصيل من حقوقه بالمستوي الذي يليق به مواطنا شريفا في بلد أمين‏.‏

ويبدو أن الحكومة بحاجة إلي تسويق ما تقدمه من خدمات‏,‏ وأن تزيد من فاعلية الإشراف والمتابعة لما تقدمه وأن يفتح المسئولون ابوابهم لشكاوي الباحثين عن الحقوق المفقودة في أداء صغار الموظفين ورؤسائهم‏,‏ حتي لايضطر المواطن إلي البحث عن وسيط يعينه علي استعادة حقه المفقود‏,‏ ووقتها لن يجد الوزراء في طلبات أعضاء مجلس الشعب سوي طلبات بحقوق لا يستحقها أصحابها‏,‏ ووقتها سوف نطالبهم بالتخلي عن هذا السلوك الذي أضر كثيرا حياتنا السياسية‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى