مقالات الأهرام اليومى

النيـل لأصـحابه فقط مصـر تحمـي حقـوق كل دول الحـــــوض

تابعت عن كثب وباهتمام شديد اجتماع وزراء المياه لدول حوض النيل بالإسكندرية‏.‏ وذكرني هذا الاجتماع وتداعياته برحلة نيلية قمت بها مع وزير الري الراحل والخبير الكبير الذي تربي علي يديه الكثيرون من خبرائنا في وزارة الري المصرية د‏.‏ عبدالعظيم أبو العطا منذ أكثر من‏30‏ عاما سواء علي مسار النهر الخالد في مصر أو في دول المنبع‏,‏ وأهمها علي الإطلاق‏(‏ السودان وإثيوبيا‏)‏ حيث يصلنا اكثر من‏85%‏ من إيراد النهر الخالد‏.‏ ووقفنا طويلا أمام المنحدرات الصعبة لهذا المجري ومازلت اتذكر كلمات د‏.‏ أبوالعطا والخبراء المرافقون‏,‏ وهم يقولون إن حصة مصر من المياه تضمنها الطبيعة‏,‏ حيث المنحدرات والانحناءات الصعبة‏,‏ لايوقفها شئ وانه لا خوف عليها مهما فعل المتآمرون والمغرضون‏.‏

فإذا أدركنا جميعا وبالأرقام أن إيراد النهر من المياه التي تسقط علي بلاده العشرة‏:(‏ مصر والسودان وإثيوبيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا وبوروندي وكينيا والكونغو وإريتريا‏)‏ يزيد علي‏1600‏ مليار متر مكعب ولا يصل لدولتي المصب‏(‏ مصر والسودان‏)‏ منها إلا‏84‏ مليار متر مكعب‏,‏ أي ما يعادل‏5%,‏ في حين أن الـ‏95%‏ الباقية تستخدم في باقي دول الحوض‏,‏ ويضيع الجزء الاكبر منها في التبخر إذا أدركنا ذلك فإننا نستطيع أن نتبين أن المشكلة لا تكمن في قلة أو ندرة المياه‏,‏ وإنما تكمن في عدم إدارتها بطريقة تكاملية ووجوب حسن إستغلالها دون الإضرار بمصالح باقي الدول‏.‏

وإذا أدركنا الوضع الجغرافي وكمية المياه في هذا النهر العظيم أطول أنهار العالم والبالغ طوله‏6695‏ كم لعرفنا قدرة وأهمية هذه البلدان في عالمنا المعاصر‏,‏ ولوقفنا عاجزين عن فهم سر أو مغزي الخلافات التي تتسبب فيها دولة أو دول ما يطلق عليه دول المنبع و دول المصب فالمشكلة ليست في تقسيم المياه أو الحصص‏,‏ وإنما في رؤي متعارضة تغذيها قوة خارجية لها مصلحة أكيدة في عدم اتفاق هذه الدول حتي تدخل علي الخط بين دولها‏,‏ وتحاول تحقيق مصالحها الذاتية‏,‏ وهي خروج المياه من دول المجري وامتدادها للآخرين‏,‏ وأنا هنا لا أسمي دولة بعينها فهذا يحدث من دول جارة لمصر وشقيقة وأخري بيننا وبينها اتفاقيات‏!‏

أسامة سرايا
وإذا أدركنا أن أي مشروعات تقام علي المجري المائي‏,‏ تحكمها التزامات دولية بألا تقام مشروعات كبري إلا بموافقة دول المصب‏.‏ كما أن أي مشروعات لن يكون لها فائدة إلا بموافقة مصر‏,‏ لعرفنا أن كل ما يحدث من تطورات ومن رغبة مصرية تصب كلها في مصلحة دول نهر النيل للحفاظ عليها لتستفيد دول الحوض‏,‏ لا الآخرون الباحثون عن الاصطياد في الماء العكر‏,‏ وهذا لا يتحقق لهم إلا بالخلافات بين دول الحوض ليدخلوا علي الخط حتي ولو من باب الوساطة وتسهيل الأمور بين دوله‏,‏ وهذا ما لا تريده مصر لمصلحة جميع الدول وليس لمصلحتها الذاتية التي قلنا إن الجغرافيا والطبيعة تضمنها‏.‏

وإذا أرادت دول حوض النيل بطرفيه الشرقي‏(‏ مصر والسودان وإثيوبيا‏)‏ والطرف الآخر بدوله‏(‏ الست‏)‏ تغيير الوضع الراهن‏,‏ فإن من مصلحة الجميع الاتفاق علي المتطلبات الجديدة والمستجدة لدول الحوض‏,‏ مع الأخذ في الاعتبار الاتفاقيات السابقة‏,‏ التي وقعت في‏1929,‏ فهذه الاتفاقيات لم توقعها مصر أو دول النيل‏,‏ بل وقعتها القوة الاستعمارية‏,‏ بما يعني أنها لم تستهدف تحقيق مصالح مصر أو تجور علي مصالح دول المنبع‏,‏ بل نستطيع أن نسميها اتفاقيات الحد الأدني‏,‏ ودونها تموت الدول‏,‏ ولذلك فإن مصر والسودان لا تتفهمان رفض بعض الدول الإفريقية الآن الاتفاقية إلا إذا كان ذلك بإيعاز دولي أو بتحريض إقليمي هدفه أن تلجآ لهذه الدول بغرض آخر هو تسهيل الأمر مع الدول الإفريقية لكي تقنع بمراعاة الأمور التاريخية والحقوق المكتسبة بما يعني أن يكون هناك ثمن لذلك الالتزام‏,‏ أي خروج النهر أو المياه عن مسارها‏,‏ وهذا يضر أول مايضر بدول النهر وليس مصر فقط‏.‏

وهنا ستكون دول حوض نهر النيل هي الأكثر تضررا وليست مصر‏,‏ فحصة مصر مضمونة‏,‏ ولكن التعاون وإقامة المشروعات في هذه البلاد سيتضرر أو سيكون مرهونا بإرادة دول من خارج النهر لأسباب نعلمها جميعا‏,‏ مع اقتناعنا بأن مبادرة حوض النيل التي ظهرت للوجود في عام‏2002,‏ ومازال التفاوض الطويل حولها مستمرا‏,‏ هي لمصلحة كل دوله‏,‏ وعلي كل الدول أن تؤكد حرصها مثل مصر علي التوافق وليس الحلول الصدامية أو الأحادية التي سيكون لها تأثير عميق علي تطوير تعاون دوله وعلي الاستفادة من إمكانات النهر الكبير لمصلحة كل دول الحوض‏,‏ فالتعاون وتطوير النهر مسئولية جميع دوله‏,‏ وليس هناك طرف ضعيف وآخر قوي‏,‏ فالنهر بعظمته وقوته يحمي جميع أبنائه‏,‏ وستظل مياهه تتدفق من الجنوب إلي الشمال‏,‏ ولا خوف إلا من أن التعاون سيتأخر ومصر لا تريد ذلك‏.‏

ما حدث أخيرا صحوة علي كل الأصعدة‏,‏ فداخليا علينا أن نهتم بمجري نهر النيل ونصونه ونتعامل مع بحيرة ناصر باعتبارها بنكا للمياه‏,‏ نحرص علي كل قطرة مياه فيه‏,‏ وأن نغير أساليب الري بمصر لينتهي الأسلوب القديم‏,‏ وننتقل إلي أسلوب عصري‏,‏ يضمن أن تكون للمياه اقتصادات بلا إسراف‏,‏ فالزراعة أو الإنتاج الغذائي لا يحسب الآن بالأراضي ولكن بكميات المياه والقدرة علي الاستفادة منها‏.‏

أما بالنسبة لحوض نهر النيل فإن الصحوة تستدعينا أن نطالب الحكومة والدولة والشعب بأن يكون تركيز مصر وتعاونها علي دول الحوض أكثر من أي منطقة أخري في العالم‏,‏ فمصر هي النيل فعلا‏,‏ فالنيل يعادل مصر‏,‏ ولولا النيل لما كانت هناك دولة أو حضارة علي أرض مصر‏,‏ ولابد أن يعرف ذلك كل طالب مصري في المدرسة أو الجامعة وكل رجل أعمال وكل مسئول حكومي بل كل مواطن علي أرض مصر وأن تكون زياراتنا للنيل ومجراه مستمرة طوال العام‏,‏ فنعرف جميعا أن بحيرة فيكتوريا الأكبر في العالم‏,‏ ونعرف روافد النهر وبحر الغزال والنيل الأبيض والنيل الأزرق الذي ينبع من بحيرة تانا‏.‏

ولأن هذا النهر هو الذي يعطينا الحصة الأكبر من المياه‏,‏ فيجب أن يزوره كل مصري ومصرية‏,‏ وأن تتحول تجارتنا الخارجية لتكون مع هذه الدول‏,‏ وأن تكون زيارات مسئولينا علي كل المستويات هي الأكثر لهذه الدول لبناء علاقات جديدة وتعاون رسمي وشعبي علي جميع المستويات‏,‏ وأن يكون الاهتمام المصري الرسمي والإعلام بكل دول حوض النيل‏,‏ وأن تحتل أي زيارة لنا من مسئول أو فنان أو لاعب كرة إفريقي الاهتمام الأكبر لدي دوائر الحكومة ولدي الإعلام المصري حتي تشعر دول حوض النهر بأن هناك تواصلا مصريا مستمرا‏,‏ وأن تكون روابط شعبية بيننا وبين دول حوض النهر وزيارات مستمرة طوال العام وأن تحتل السودان شماله وجنوبه وإثيوبيا الأهمية القصوي علي كل المستويات السياسية والشعبية ورجال الأعمال والإعلام حتي نتفرغ لبناء علاقات جديدة‏,‏ تسودها المحبة والعمل المشترك‏,‏

فمن الحكمة أن نعرف أن المياه هي روح الحياة وأنها أكثر من قضية أمن قومي‏,‏ وأنها غير قابلة للعبث أو المزايدة أو التهميش‏,‏ وألا تنجر مصر وراء الفتن والمكائد التي تنظمها دول إفريقية أو دول أجنبية لها مصالح استعمارية أو مكائد خارج الحوض أو مكائد إسرائيلية لأسباب معروفة لكي يدخلوا علي الخط ب ننا وبين أشقائنا الأفارقة داخل الحوض لأي سبب حتي ولو كان للتفاوض المستقبلي لإقامة مشروعات لزيادة إيراد النيل للتصدير أو بأي حجة أخري‏,‏ فالنيل نعم سلعة‏,‏ ولكنها لا تباع أو تشتري أو تنقل خارج الحوض‏,‏

وعلينا أن نكون قادرين ومتحلين بكل قيم الصبر والأناة لنقنع أشقاءنا الأفارقة بأن نتفرغ من أجل تنمية المشروعات المجدية‏,‏ لأن المياه متوافرة ولا تحتاج إلا إلي حسن الإدارة والعمل الدءوب والاستغلال الأمثل‏,‏ بعيدا عن عيون من يعملون ليلا ونهارا للدخول إلي مصر ليكون جزءا من حوض النيل عبرها‏,‏ وأن يدرك أشقاؤنا في الحوض أننا فعلا نحميهم ونحمي مشروعاتهم‏,‏ لأننا نحمي النهر وإيراده ليظل لأصحابه ولأصحابه فقط‏.‏ كما أن الجغرافيا والطبيعة تحمي حصتنا وحقوقنا لأن وجودنا علي المصب الأخير للنهر يجعلنا نحمي مياهه لأهل الحوض فقط‏,‏ ولانسمح بالعبثيها لأي معتد يريد أن يدخل مستفيدا من مياه النيل‏.‏

فلعل الجميع يحكم العقل ويعمل علي مايفيد أهل الحوض من تعاون للحفاظ علي المياه وتنميتها لأصحابها‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى