مقالات الأهرام اليومى

الشمـوخ المصـري

مع توالي أيام العدوان الإسرائيلي الغاشم علي قطاع غزة ينكشف الجميع‏..‏ وتنكشف أيضا عدوانية الإسرائيليين الذين يقصفون الأبرياء بالصواريخ عبر أسامة سراياالطائرات‏..‏ والممارسات الوحشية لدولة الاحتلال التي تخرج علي كل القوانين وتخرب قطاع غزة وتقتل العزل‏,‏ وتضرب البيوت والمؤسسات ودور العبادة والمستشفيات‏,‏ وتكرر ما فعلته في لبنان عام‏2006..‏ بينما يختفي حزب الله تحت الأرض‏.‏ بما يملكه من سلاح لم يمس ليعيد استخدامه لضرب مواطنيه اللبنانيين بحجة النصر الذي حققه‏..‏ أي أنه انتصر مرتين‏..‏ عندما نجا من الهجمة العدوانية‏.‏ وعندما أسر مواطنيه وأذلهم بسلاحه مستأسدا علي شركاء الوطن‏.‏

هذا هو الاحتلال‏,‏ وهذه هي إسرائيل التي تنحصر مهمتها في إرهاب الشعوب العزلاء‏,‏ وإتاحة الفرصة للمتطرفين والإرهابيين للسيطرة علي أوطانهم وأسر الشعوب والاستفادة من الغنائم القادمة من الداخل والخارج‏,‏ والذي يدفع الثمن هو دائما الأبرياء‏..‏ وهكذا هي الحرب من هذا النوع لمصلحة المتطرفين والإرهابيين‏,‏ الذين يخلطون الدين بالسياسة‏,‏ ويتركون الشعوب بلا وعي‏,‏ تتخبط بحثا عن لقمة العيش‏.‏ وإذا كان المشهد العربي يبدو مثيرا للقلق علي مستقبل تلك الأمة‏,‏ فإنني أرصد الشموخ المصري‏,‏ قيادة وشعبا‏..‏ حكومة ومعارضة‏..‏ الكل ضد العدوان بوعي وبرؤية‏.‏

لقد قال مبارك كلمته للأمة ووجه رسالته إليها وحدد الاتجاه الذي لابديل عنه‏,‏ ليس فقط لوقف العدوان‏,‏ ولكن أيضا لاستعادة الرشد الذي غاب عن البعض‏,‏ فالاحتلال لايدوم‏.‏

وكان خطابه للمصريين في مناسبة بدء العامين الميلادي والهجري شاملا بالقدر الذي يلزم عقولا ناضجة لأن تفهم حقيقة ما جري ويجري في غزة‏.‏

ووضعت كلمات الرئيس القضية برمتها في إطارها الصحيح‏..‏ كلمات دقيقة معبرة ومحددة‏,‏ ولكنها تشرح وتحلل وتفسر‏..‏ وتحذر وتطالب‏..‏ وأخري قاطعة شامخة شموخ الموقف المصري الراسخ والثابت الذي لا يقبل المزايدات‏,‏ ولايتأثر بالصغائر‏,‏ ولا يخاطب عواطف الجموع المحبطة بما تبثه شاشات التليفزيون‏..‏تلك المحطات التي تعمل لحساب أولئك الذين قايضوا مصالح الفلسطينيين الحقيقية بمصالحهم الشخصية والفئوية‏,‏ وأوهام المجد الذي يتصورون أنه ينتظرهم علي حساب دماء الشهداء الفلسطينيين والعرب‏..‏

إن خطاب الرئيس مبارك سيعرف الجميع مغزاه‏.‏ يوم أن تتوقف آلة الحرب البربرية الإسرائيلية‏,‏ فعندئذ سوف تكشف المذبحة عن حقائق لن تجدي معها الشعارات والهتافات وبلاغة الخطباء في الجموع المحتشدة في بعض الشوارع العربية‏.‏

ومازال المشهد العربي والفلسطيني يفتح الباب أمام مزيد من العربدة الإسرائيلية‏.‏ فنحن المصريين أولي بخطاب الرئيس من غيرنا‏,‏ ونعرف جيدا ما الذي يعنيه حين يشرح وحين يحذر‏,‏ ولايعنينا كثيرا إن كان الآخرون قد وعوا كلمات الرئيس أو لم يفهموها‏,‏ إذ أننا لسنا معنيين بالأمراض والأوجاع التي تحيد بالكلمات عن مغزاها لدي بعض الاشقاء في العالم العربي‏.‏ ونعرف أكثر من غيرنا ما قدمناه ونقدمه وسوف نقدمه من أجل فلسطين وشعبها‏.‏ ونعرف جيدا من تولي عنا نحن المصريين تلك المسئولية التاريخية ويؤديها بشرف ونزاهة ووطنية‏..‏ لقد عرفناه جيدا في سنوات الحرب والسلام‏..‏ عرفناه مقاتلا عنيدا وقت النداء في أرض المعركة‏,‏ وقائدا ومعلما لأجيال من نسور السماء التي جاءت بالنصر العزيز في أكتوبر المجيد‏.‏ وعرفناه مؤمنا بخيار السلام الذي أقبل عليه منتصرا في أرض المعركة من أجل بلاده التي أنهكتها الحروب‏,‏ ومفاوضا يعرف حقوق شعبه وحقوق أمته‏.‏

ونعرف أيضا أين يضع مصالحنا وأمننا وسلامنا حاضرا ومستقبلا‏.‏ وعرفناه واضحا صريحا‏.‏ فلقد اختار أن يكون رجل دولة يقوم علي مصالح أمته‏,‏ ولم يسع إلي زعامة ترتكز علي خطابة وبلاغة ومغامرات ندفع ثمنها من مواردنا‏.‏

فمنذ أن تولي أمرنا وضعنا بصدقه وصراحته علي الطريق الصحيح‏,‏ ولم يفرط يوما في حق مصري‏,‏ ولم يقايض علي مصالح شعبه‏.‏ وتحمل مسئولية إعادة صياغة الدور المصري في العالم العربي بما يحقق مصالح مصر والعرب معا‏..‏ هكذا عرفنا حسني مبارك‏,‏ وهكذا اخترناه رئيسا‏,‏ وبايعناه قائدا لمسيرتنا داخليا وخارجيا‏,‏ يقودنا إلي إصلاح سياسي واقتصادي واجتماعي حقيقي يراعي ظروفنا واحتياجاتنا‏.‏ ونوقن أن بعض العرب من حولنا سوف يعودون لما يقول‏.‏ وسوف يعرفون يوما أنه الصوت الذي كان عليهم ان يسمعوه‏,‏ وأن طريقه هو الطريق الذي كان أولي بهم أن يتبعوه‏.‏ وأن الغضب الذي يستبد بنا جراء المذبحة المروعة في غزة والحزن الذي يعتصر قلوبنا يؤكد فينا صدق تحذيره وصحة رؤيته التي كان يمكن أن تجنب الأشقاء في غزة آلام اليوم وأحزان الغد‏.‏

ثمن الوعي العربي الذي يأتي متأخرا

وكأن التاريخ يعيد نفسه بلا عقل يفكر أوحكمة تتدبر‏,‏ إذ يبدو أن قدر هذه المنطقة من العالم أن تمضي في الزمان عقودا لتجد نفسها في النهاية حيث بدأت‏.‏ فما يحدث اليوم من هجوم علي مصر وقيادتها وشعبها صورة أخري لما وقع قبل ثلاثين عاما‏..‏ إن بعض القوي في العالم العربي لاتحب مصر إذا وقفت دون أوهامها‏,‏ ولاتقوي علي بعادها حين تتهددها أزماتها‏..‏ قوي تتنكر لمصر في السراء‏,‏ وتذكرها وتلقي بنفسها عند أقدامها في الضراء‏,‏ فالعواصم التي سارت فيها المظاهرات ضد مصر هي نفسها العواصم التي انتفضت ضد مصر من قبل‏.‏ والهتافات التي رددتها المظاهرات الأخيرة هي بعينها الهتافات التي ترددت قبل تلك الأعوام الثلاثين‏..‏ والمشهد يتكرر بنفس الأماكن والجموع والهتافات‏.‏

وكان هذا المسلسل العربي ضد مصر قد بدأ مباشرة بعد هزيمة عام‏1967‏ وقبول الرئيس الراحل جمال عبدالناصر مبادرة روجرز للسلام ووقف القتال‏..‏ وارجعوا إلي الصحف أيها القوميون الإسلاميون المتشددون والبعثيون في سوريا‏.‏

وقبل ثلاثين عاما من الآن كان الرئيس الراحل أنور السادات قد حمل تاريخه بين يديه واقتحم عرين عدوه يفرض عليه السلام‏,‏ وينهي مسلسل الدماء الطويل‏,‏ وخرجت المظاهرات في كل شوارع العرب تندد بمصر وقيادتها وتتهمها بالخيانة والعمالة‏,‏ ولم تكن قد جفت بعد دماء المصريين من أجل القضية واستعادة شرف الأمة الذي انتهك في يونيو عام‏1967.‏

وسرعان ما تشكلت جبهة الصمود والتصدي من محترفي الخطابة وتوزيع الاتهامات‏.‏ وتزعم صدام حسين تلك الجبهة التي حاصرت مصر وألحت في إخراجها من محيطها العربي‏.‏ وفي غضون سنوات قليلة كان العرب يحثون الخطي في الطريق إلي التفاوض‏,‏ والبحث عن صيغ للتعامل مع إسرائيل في السر والعلن علي السواء‏,‏ وكان العرب يتوارون خجلا من مصر وبعد نظرها ورؤيتها البعيدة لمستقبل الصراع الطويل‏.‏

ولم تقف الشقيقة الكبري مصر أمام ما قام به العرب قبل المبادرة وبعدها‏,‏ وجاء حسني مبارك من صفوف الشرفاء الذين قادوا الأمة في الطريق إلي نصر أكتوبر‏,‏ فانتقل من صراع الحرب إلي صراع السلام‏,‏ وتحمل قيادة مسيرته بصبر وروية حفاظا علي حقوق العرب‏,‏ وفي مقدمتها حقوق الشعب الفلسطيني‏,‏ وجاءه صدام حسين زعيم الصمود وبطل التصدي ساعيا إلي أن تعود مصر لمكانتها‏,‏ التي عمل طويلا وكثيرا من أجل زحزحتها عنها‏.‏ وجاء الخطر لصدام من إيران‏,‏ ولم تكن تجدي مع ذلك الخطر شقيقة صغري أو وسطي‏.‏

وكما هو قدرها نهضت مصر بمسئولية قيادة الصراع من أجل السلام‏,‏ كما سبق وأن نهضت بصراع الحرب من أجل الحقوق‏.‏ ولولا الجهود المصرية التي قام بها حسني مبارك من أجل السلام لما كان للفلسطينيين وجود اليوم علي أرضهم‏.‏ فلقد استطاعت مصرـ مبارك أن تحقق الحلم القديم للفلسطينيين بعودتهم إلي أرضهم في الضفة والقطاع‏.‏ وحصولهم علي الحكم الذاتي واعتراف العالم بشرعيتهم‏,‏ وأصبحوا يتفاوضون مباشرة مع عدوهم ومع العالم الخارجي‏,‏ وتحملت مصر مسئولية التفاوض من أجل بلوغ الهدف الأكبر‏,‏ وهو استعادة الحقوق المشروعة الكاملة للشعب الفلسطيني‏.‏

ومصر هي التي مهدت الطريق نحو نواة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع‏.‏ وهي التي لم تتوقف يوما عن المضي في طريق ينتهي بدولة فلسطينية ذات سيادة كاملة تحقق الأمل الذي ولد في أعقاب نكبة‏1948.‏

من يحرض ضد مصر‏..‏ ولماذا؟‏!‏

مصر التي طرقت كل سبيل وبذلت كل جهد من أجل وحدة الصف الفلسطيني‏.‏ وهي التي وضعت قضية هذا الشعب علي كل مائدة للمفاوضات‏,‏ جلس إليها الرئيس مبارك مع زعماء الشرق والغرب‏..‏ واليوم وللأسباب نفسها وفي العواصم نفسها وبنفس الشعارات تخرج المظاهرات من عباءة جبهة جديدة تشكلت تحت مسمي الممانعة‏.‏ ممانعة الحق الذي يكشف أطماع الطغاة وأحلام الصغار تحت القيادة الإيرانية‏..‏ حيث تريد إيران أن تحاسب مصر علي وقفتها مع العرب‏,‏ والدفاع عن القضايا العربية‏,‏ وفي مقدمتها القضية الفلسطينية‏,‏ وحماية العراق من أن يقع تحت السيطرة الإيرانية في فترة الحرب القاسية أو الخاطئة‏,‏ التي أدارها صدام حسين ضد إيران‏..‏ ووقفت إيران مع التيارات المتطرفة في العالم الإسلامي‏,‏ لتدفع مصر وشعبها ثمن مواقفها البطولية من قضايا العرب كلها‏..‏ فهل مصر تستحق كل ذلك ياعرب ويا فلسطينيين ؟‏!.‏

………………………………………………………..‏

في الماضي استغرق العرب بضع سنوات حتي يدركوا مغزي ومعني ما تقوم به مصر بمبادرة السلام‏.‏ فكم من الوقت الآن يلزم العرب الممانعين حتي يفهموا معني الذي تقوم به مصر من أجل فلسطينيين موجودين اليوم علي أرض فلسطينية‏..‏ ربما لايحتاج العرب الممانعون إلي سنوات حتي يعودوا إلي الحق الذي ينكرونه اليوم‏.‏ فقد كانت مبادرة الرئيس السادات مفاجأة صادمة لهم‏..‏ أما الذي يحدث اليوم في غزة والأسباب المؤدية إليه فلم يكن مفاجأة لأحد وسوف يعرف الجميع أن ما حدث في غزة كان بسبب الخروج علي رؤية مصر ونصائحها‏,‏ ونتيجة لمؤامرات تحاك علي أرض عربية ومنفذوها من العرب‏..‏ وسوف يعرف أولئك الذين ينتقدون اليوم مصر ـ بأسرع مما يتصورون ـ حقيقة ما قام ويقوم به الرئيس مبارك من أجل الفلسطينيين‏.‏ ولكن تلك العودة السريعة إلي رؤيته ومساعيه سوف تأتي أيضا متأخرة‏,‏ لأنها تأتي بعد ذلك الدمار الهائل الذي حل بالأهل والأرض في غزة‏.‏

إن قدر الأشقاء في هذا القطاع أن يدفعوا ثمن تآمر البعض منا‏,‏ وثمن المصالح الضيقة للبعض الآخر‏.‏ حيث لم ينظر كثيرون بعين العقل إلي ما حدث من قبل‏,‏ ولم يتدبروا دروس التاريخ القريب‏.‏ فقد أعاد ما حدث في غزة جهود السلام سنوات طويلة إلي الوراء‏,‏ وأحال ما زرعناه عبر السنين إلي هشيم ودمار‏.‏ وهكذا سوف نستغرق سنوات طويلة في إنجاز ما كان يمكن إنجازه في سنوات أقل‏.‏ والنتيجة هي أن الفجوة تتسع بيننا وبين غيرنا كثيرا‏,‏ وبيننا وبين ما نريد طويلا‏.‏ أما قصة السوريين ونظام الأسد وتبعيتهم لإيران وخدمتهم لمصالحها‏..‏ وألاعيبهم الصغيرة وتحريضهم ضد مصر مستغلين العدوان الإسرائيلي‏,‏ علي الرغم من أننا نحرص عليهم ونساندهم لاسترداد أرضهم‏,‏ وأراضيهم المحتلة تدخل في نطاق رؤيتنا الاستراتيجية‏,‏ ولكن التآمر والرغبة الجامحة في الإساءة لمصر‏,‏ واستغلال القضية الفلسطينية في لعبة المسارات مع إسرائيل فهي قصة تستحق أن تروي‏,‏ ولها موعد آخر حتي لا نكرس الانقسام العربي في لحظة حرجة ودقيقة‏.‏

osaraya@ahram.org.eg

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى