حوارات

أبو الغيط يحدد ملامح التحرك المصري تجاه القضايا الدولية فى حواره مع “أسامة سرايا”

أجري الحوار : أســامة ســـرايا

أسامة سرايافي كلمات محددة وواضحة تحدث السيد أحمد أبوالغيط وزير الخارجية عن ملامح التحرك المصري خلال الفترة المقبلة تجاه العديد من القضايا الدولية‏,‏ وقال في حوار أجراه معه الأستاذ أسامة سرايا رئيس تحرير الأهرام قبيل سفره إلي نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة إن أجندة مصر حافلة بالقضايا والمقترحات الدولية‏,‏ وإننا نسعي إلي إحراز تقدم في تفعيل مبادرة الرئيس حسني مبارك للأمن الغذائي والتجميد المؤقت لديون إفريقيا‏,‏ وضرورة إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية وإخضاع المنشآت الإسرائيلية للضمانات الدولية‏.‏

وحول الآثار السلبية لظاهرة تغير المناخ قال أبوالغيط إننا نتمسك بضرورة توفير الدول المتقدمة تمويلا دوليا للبلاد النامية لمواجهة الآثار السلبية لهذه الظاهرة ونقل التكنولوجيات العالمية الجديدة إليها‏.‏

وأضاف أن مصر ترحب بمساعي الأمم المتحدة الرامية إلي دعم الجهود الدولية لحفظ السلام خاصة في السودان والصومال ومنطقة البحيرات العظمي‏.‏

وأكد وزير الخارجية أن موقفنا ثابت من قضايا حقوق الإنسان القائمة علي الحوار البناء واحترام قيم المجتمعات وعقائدها والبعد عن المواجهات السياسية‏,‏ وأضاف اننا ندعو إلي ممارسة حرية التعبير بما لايمس حقوق وحريات الآخرين واحترام مقدسات الأقليات المسلمة في أوروبا‏,‏ فالحوار بين الأديان يجب أن يدار باعتباره حوارا أخلاقيا لابراز المساحات الواسعة المشتركة بينها‏.‏

وقال الوزير ان رئاسة مصر حركة عدم الانحياز تعظم دورها في الأمم المتحدة‏,‏ وتساعدها علي التعبير عن مواقف وآراء دول الحركة‏.‏

وفيما يلي تفاصيل الحوار‏:‏

ما الذي ميز اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في هذه الدورة؟

‏*‏ أهم ما ميزها اجتماع رفيع المستوي حول تغير المناخ‏,‏ وقمة لأكبر الدول المساهمة بقوات في عمليات حفظ السلام‏,‏ وقمة لمجلس الأمن حول نزع السلاح ومنع الانتشار وقمة مجموعة الـ‏15‏ للدول النامية‏,‏ وإطلاق مبادرة القادة الأفارقة لمكافحة الملاريا‏,‏ واحتفالية مرور ستين عاما علي إنشاء وكالة الغوث والتشغيل للاجئين الفلسطينيين‏(‏ الأونروا‏)‏ واجتماع وزاري حول الأمن الغذائي‏…‏ هذه فقط أمثلة للاجتماعات التي عقدت في هذه الدورة خصيصا‏,‏ بالإضافة إلي الاجتماعات الوزارية الدورية لحركة عدم الانحياز ومجموعة الـ‏77‏ ومبادرة حوار الأديان‏,‏ وتحالف الحضارات والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي‏.‏

لماذا ركزت الجمعية العامة علي موضوعات تغير المناخ في هذه الدورة برغم وجود العديد من القضايا السياسية والاقتصادية الأخري التي لا تقل أهمية وإلحاحا علي جدول أولويات المجتمع الدولي؟

‏*‏ العالم يتطور ومعه التحديات التي تواجهه والقضايا التي تشغل باله‏…‏ وبالتالي‏,‏ يجب أن ندرك أن منهج عمل المنظمات الدولية لابد أن يتكيف مع ذلك العالم الجديد‏,‏ فلم يعد يركز علي الموضوعات السياسية البحتة كما كان في السابق‏.‏ فأصبحت الجمعية العامة تعقد اجتماعات قمة واجتماعات رفيعة المستوي تتناول موضوعات اقتصادية واجتماعية مهمة‏,‏ فقد انعقدت اجتماعات لمعالجة أزمة الغذاء العالمية‏,‏ والأزمة المالية‏,‏ والتنمية المستدامة‏,‏ وحقوق الإنسان‏,‏ والتنمية الاجتماعية وغيرها‏.‏

إن قضية تغير المناخ في هذا التوقيت بالذات مهمة جدا‏..‏ وهناك عدد من الاعتبارات المهمة‏..‏ فمن الناحية العملية سيعقد في ديسمبر المقبل اجتماع أساسي لأطراف اتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ‏,‏ وهو مكلف بالتوصل إلي اتفاق دولي حول كيفية الحد من تفاقم ظاهرة تغير المناخ من خلال ضبط وتخفيض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي تسبب ارتفاع حرارة الأرض‏,‏ ويحل الآن موعد الاتفاق علي التخفيضات للفترة التالية لذلك‏…‏ ولكن الأمر ليس بهذه السهولة حيث يثور حاليا جدل متصاعد بين الدول المتقدمة والدول النامية حول حجم وشكل التخفيضات المطلوبة‏.‏

وأود هنا أن أوضح أن الدول النامية تري أنها لم تسهم أصلا في ظاهرة تغير المناخ‏,‏ وأن تخفيض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في هذه المرحلة سيفرض قيودا علي فرصها في مواصلة النمو الاقتصادي‏,‏ وكذلك علي الدول المتقدمة أن تتحمل مسئوليتها التاريخية عن ظاهرة تغير المناخ‏,‏ فضلا عن ضرورة توفير التمويل الدولي اللازم للدول النامية لمواجهة الآثار السلبية لتغير المناخ‏;‏ ونقل التكنولوجيات الجديدة‏.‏

ما موقف مصر من هذه الظاهرة تحديدا كما أظهرتها في الاجتماعات؟

‏*‏ الرئيس مبارك كلف وزير الدولة لشئون البيئة بتمثيل مصر في الاجتماع رفيع المستوي‏.‏ ومعروف أن الرئيس يهتم اهتماما مباشرا بظاهرة تغير المناخ علي وجه التحديد‏.‏ فقد خصص كلمته التي ألقاها في الجلسة المغلقة لقادة مجموعة الثمانية في لاكويلا بإيطاليا في يوليو الماضي لموضوع تغير المناخ‏,‏ وأبرز أن إفريقيا تعد أكثر قارات العالم تعرضا للآثار السلبية لتغير المناخ في الوقت الذي تعتبر فيه أقل قارات العالم إسهاما في تفاقمه‏.‏

أليست هذه مفارقة غريبة وظالمة لفرص إفريقيا في النمو والتقدم‏..‏؟

‏*‏ هو وضع لابد من معالجته‏.‏ وتحديدا بالنسبة لمصر فهي من الدول المتعرضة للتهديد بالنسبة للدلتا التي يتركز فيها نشاطنا الزراعي والصناعي‏,‏ وبالتالي فنحن نتطلع للتوصل إلي صفقة عادلة ومتوازنة في مؤتمر أطراف اتفاقية تغير المناخ في كوبنهاجن‏,‏ تأخذ في اعتبارها التطلعات المشروعة للدول النامية لتحقيق النمو الاقتصادي القابل للدوام دون فرض أعباء تعطل جهود التنمية‏,‏ وضرورة توفير الدعم المالي والتقني اللازم للمساعدة علي التأقلم بما يحقق منافع مشتركة للجميع‏.‏

ما هو التنسيق الوطني بين الجهات الحكومية المصرية بشكل يعظم دورنا وإسهامنا في المفاوضات الجارية؟

‏*‏ هناك عمل فريق‏..‏ فلابد من تراكم الخبرات وتبادل الآراء‏..‏ مصر تشارك بفاعلية في الاجتماعات التفاوضية لاتفاقية تغير المناخ‏,‏ بوفد يضم ممثلين عن وزارة الخارجية إلي جانب ممثلي وزارات أخري ـ أهمها وزارات الدولة لشئون البيئة والبترول والكهرباء والاستثمار‏.‏ وتتولي تنسيق الموقف الإفريقي تجاه قضايا التمويل‏,‏ وهو يتلخص في أننا نتمسك بضرورة توفير تمويل حكومي من الدول المتقدمة لمواجهة متطلبات التكيف مع آثار تغير المناخ في الدول النامية وأن ذلك التمويل يجب أن يكون مناسبا أي كافيا للاحتياجات المتزايدة في هذا المجال‏,‏

وأن يكون من مصادر جديدة بخلاف مصادر المعونات التقليدية حتي لا يقتصر الأمر علي إعادة تسمية المساعدات الدولية القائمة تحت إطار تغير المناخ دون توفير تمويل إضافي‏,‏ وأن يتم توجيهه لتنفيذ أولويات الدول النامية‏.‏ كما نؤكد أننا نرحب بأي تمويل إضافي من القطاع الخاص علي أن يكون مكملا للتمويل الحكومي من الدول المتقدمة وليس بديلا عنه‏.‏

وهنا أعلن صراحة‏..‏ أننا نتحمل مسئوليتنا كاملة‏..‏ حيث نعلن أننا علي استعداد من حيث المبدأ للمساهمة في جهود تخفيض الانبعاثات العالمية بشرط توفر التمويل الدولي ونقل التقنيات اللازمة للدول النامية حتي لا تتأثر جهود التنمية أو تنافسية المنتجات المصرية‏.‏ ونتحفظ في هذا المجال علي أي إجراءات تتخذها بعض الدول من طرف واحد لفرض معايير لتخفيض الانبعاثات علي الدول النامية

ونحن لا نعمل وحدنا‏..‏ بل نسهم في تشكيل الموقف العام لمجموعة الـ‏77‏ بالتنسيق مع السودان التي تتولي رئاسة المجموعة في العام الجاري‏2009,‏ كما يتم التنسيق علي المستوي السياسي حول موضوعات تغير المناخ مع أهم شركاء التنمية في الدول المتقدمة من أجل التوصل إلي نتائج متوازنة في مؤتمر كوبنهاجن‏.‏

رغم أن حديثنا هنا كان عن قضايا البيئة إلا أنكم تطرقتم أكثر من مرة إلي جوانب العلاقات الاقتصادية الدولية‏,‏ ودورنا كمصر وسط هذه التجمعات‏,‏ بعدما شاركنا في القمة الأخيرة لمجموعة الثماني‏.‏

*‏ تعظيم وجودنا في المحافل الدولية هو هدف بديهي‏..‏ فبطبيعة الحال‏,‏ الدبلوماسية المصرية تعمل علي تعزيز إسهامنا في كافة كيانات الحوكمة الدولية ولا أظن أن هناك حدودا لطموحنا في تعزيز دورنا علي الساحة الدولية‏,‏ فنحن ننظر إلي مشاركتنا في مجموعة الثماني كخطوة مبدئية ناجحة‏,‏ إلا أن مصر تجد في نفسها القدرة علي تحمل المزيد من الأعباء والمسئوليات تجاه المجتمع الدولي ومحيطها الإقليمي‏..‏ وفي الواقع فإن المنظومة الدولية بأكملها في حاجة إلي التطوير والإصلاح بما يتوافق مع المعطيات الجديدة علي الساحة الدولية‏.‏

ولكن هل للأمم المتحدة دور حقيقي في ظل تعدد الكيانات التنظيمية كمجموعة العشرين ومجموعة الثمانية وتواصلها مع الدول النامية البازغة كما حدث في قمة لاكويلا؟

‏*‏ يستمد التنظيم الدولي شرعيته من حجم التمثيل الدولي به‏,‏ ولذلك فالأمم المتحدة هي المحفل الأكثر شرعية ومصداقية في العالم‏.‏ وقد طرحت عدة أفكار في السنوات الماضية علي المستوي الأكاديمي والدبلوماسي لتعزيز دور المنظمة الدولية‏,‏ أبرزها المقترح الخاص بإنشاء مجلس اقتصادي أمني عالمي علي غرار مجلس الأمن يأخذ علي عاتقه قيادة المنظومة الدولية الخاصة بوضع المعايير والرقابة المالية‏.‏

ويأتي دور الأمم المتحدة الاقتصادي في إطار الإصلاح الشامل للمنظمة‏,‏ وندرس المقترحات المماثلة بشكل متأن‏,‏ ونعمل علي إثراء ومناقشة مثل هذه الأفكار ونطالب بدور موسع للأمم المتحدة في الشأن الاقتصادي‏.‏

إذن ما هو تصوركم للشكل العام لهيكل الحوكمة الاقتصادية الدولية في ظل التطورات الجارية؟

‏*‏ أستطيع أن أذكر الخطوط العريضة للرؤية المصرية في هذا الشأن‏.‏ حيث ينقسم هيكل الحوكمة الدولية إلي منظمات لوضع المعايير والرقابة‏..‏ وإلي كيانات سياسية تعمل علي صياغة التوجه العام للمؤسسات الفنية المذكورة‏..‏ ونحن نتوقع علي المدي القصير توسيعا نسبيا في المشاركة الدولية في بعض هذه المؤسسات علي غرار منتدي الاستقرار المالي وتحويله إلي مجلس الاستقرار المالي‏,‏ بينما ستظل عملية التطوير بطيئة إلي حد كبير في مؤسستي بريتون وودز‏..‏

أما توسيع الكيانات ذات الطابع السياسي كمجموعتي الثمانية والعشرين وانضمام عدد أكبر من الدول النامية خاصة من أفريقيا يظل هو الهدف الأصعب بالنسبة للمجتمع الدولي ولكننا نقدر أن توسيع مجموعة الثمانية لتصبح مجموعة الأربعة عشر بمشاركة مصر هو خطوة علي الطريق الصحيح‏..‏ في كل الأحوال يأتي التوسيع والتطوير في مقدمة أولوياتنا‏..‏ ونلاحظ كذلك حاجة المجتمع الدولي إلي تقنين بعض الأنشطة والتوجهات الاقتصادية والمالية الحديثة كأنشطة صناديق الثروة السيادية والاستثمار الزراعي الخارجي‏.‏

تحدثتم علي مستوي عال جدا من التحليل حول المنظومة الاقتصادية العالمية وهيكلها وتوازناتها‏…‏ هل لنا أن نستعرض قضية معينة تهمنا جميعا مثل الأمن الغذائي؟

‏*‏ نسعي لإحراز تقدم في تفعيل مبادرة الرئيس مبارك المتعلقة بالأمن الغذائي‏..‏ فالمبادرة تتفق في جوهرها مع فكرة إنشاء شراكة عالمية للتنمية الزراعية والأمن الغذائي التي اعتمدتها الأمم المتحدة متمثلة في منظمة الأغذية والزراعة وكذلك قمة الاتحاد الأفريقي في شرم الشيخ وقمة مجموعة الأربعة عشر الأخيرة في لاكويلا‏…‏ ونفخر بأن المبادرة المصرية شكلت الأساس للتحرك الدولي تجاه مسألة الأمن الغذائي العالمي‏,‏ وهي بذلك تدلل علي قدرتنا علي تقديم حلول مبتكرة والنهوض بمسئولياتنا تجاه القضايا الدولية‏.‏

ألاحظ هنا‏..‏ أن العالم يتجه إلي منهج متعدد الأطراف في إدارة قضاياه الإستراتيجية ومنها قضية الأمن الغذائي‏,‏ والمبادرة المصرية تحظي بتأييد دولي واسع‏,‏ وسنعيد التأكيد عليها خلال قمة الأمن الغذائي في نوفمبر المقبل‏..‏ وهناك لاحظنا اهتماما أمريكيا بموضوع الأمن الغذائي‏,‏ وهناك دعوة موجهة إلي مصر لحضور اجتماع للمسئولين رفيعي المستوي للدول والمنظمات الدولية المعنية لمتابعة تنفيذ التزامات قمة لاكويلا تجاه قضية الأمن الغذائي والتنمية الزراعية‏..‏

سوف يحتل كل ذلك أهمية كبيرة لمشاركتنا في أعمال الجمعية العامة‏..‏ مثلا أنوي تلبية دعوة وزيرة الخارجية الأمريكية وسكرتير عام الأمم المتحدة لمشاركتي اليوم في الاجتماع المعنون‏’‏ المشاركة من أجل الأمن الغذائي‏’.‏

وماذا عن مسألة تخفيف عبء الديون علي الدول النامية ؟

‏*‏ مصر لها تجربة طويلة مع قضية الديون‏,‏ بدأت منذ بداية عملية التنمية الاقتصادية والتوسع الصناعي المصري في الستينيات من القرن الماضي‏,‏ ولنا تجارب تفاوضية مع نادي باريس‏.‏

وندعم المبادرات الدولية في هذا الشأن مثل مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون‏(‏ الهيبك‏)‏ والمبادرة متعددة الأطراف لتخفيف عبء الديون‏(‏ مدري‏),‏ كما أن تخفيف عبء الديون أحد أهداف وثيقة الألفية الإنمائية تحت بند تطوير شراكة عالمية من أجل التنمية‏,‏ ونهتم بهذه القضية بشكل خاص كونها قضية أفريقية من الدرجة الأولي حيث إن‏29‏ دولة من إجمالي دول الهيبك البالغ عددها‏35‏ دولة هي دول أفريقية‏.‏

وقد طالب الرئيس في مداخلته بقمة لاكويلا حول التحديات التي تواجه القارة الأفريقية بالتجميد المؤقت للديون الأفريقية‏.‏ وتفرض تكاليف خدمة الديون أعباء إضافية علي موازنات الدول النامية وهي بالطبع تلتهم جزءا من إيراداتها العامة وتؤثر كذلك علي تصنيف جدارتها الائتمانية مما يؤثر بدوره علي قدرتها علي الاقتراض ومدي جاذبيتها للاستثمارات الأجنبية‏.‏

هل تراجعت أولويات قضايا السلم والأمن الدوليين لدرجة أنها لم تعد تبحث علي مستوي القمة؟

‏*‏ هناك بالفعل عدد من الاجتماعات التي تعقد علي مستوي القمة‏,‏ لما نعتبره الاختصاص التقليدي والرئيسي للأمم المتحدة ألا وهو صيانة السلم والأمن الدوليين‏..‏ وجزء من تلك الأجندة هو موضوعات نزع السلاح ومنع الانتشار‏).‏

ما هو مضمون رسالة مصر حول السلم الدولي؟

‏*‏ أشرنا إلي ما لمسناه من إدارة الرئيس الأمريكي أوباما من بوادر فكر جديد في التعامل مع موضوعات نزع السلاح ومنع الانتشار‏,‏ وأملنا في أن تفضي هذه الأفكار إلي نهج عملي جديد يسهم مساهمة فعالة في تعزيز المنظومة الدولية في هذا المجال‏,‏ وأكدنا ضرورة إعطاء الأولوية لمسألة إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية بما يتطلبه ذلك من إخضاع المنشآت الإسرائيلية للضمانات الدولية‏…‏ كون إسرائيل هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي لا تزال خارج إطار المنظومة‏(‏ معاهدة منع الانتشار‏).‏

بالنسبة للأولويات المصرية‏,‏ فلعل أهم تلك التطورات هو انعقاد اللجنة التحضيرية الثالثة لمؤتمر مراجعة معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية الذي سوف يعقد عام‏2010‏ بنيويورك‏.‏ وقد قدمت مصر ورقة عمل مهمة خلال أعمال اللجنة التحضيرية تضمنت اقتراحاتها حول تفعيل قرار الشرق الأوسط لمؤتمر المراجعة والمد لعام‏1995‏ والخاص بإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية‏,‏ وتضمنت تلك الاقتراحات عقد مؤتمر دولي يضم جميع الأطراف المعنية بحلول عام‏2011‏ للبدء في التفاوض حول تلك المنطقة والتي يعد إنشاؤها من أهم الأولويات

ماذا عن دورمصر في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة؟

‏*‏ تقوم مصر بتقديم أو المشاركة في تقديم عدد من القرارات المهمة كل عام‏.‏ ولعل أهمها القرار المصري المعنون‏’‏ إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط‏’‏ والذي يطالب إسرائيل بالانضمام إلي معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية‏,‏ وتحقيق عالمية تلك المعاهدة التي تعتبر حجر أساس منظومة منع الانتشار ونزع السلاح النووي الدولية‏.‏

لا تزال إسرائيل ترفض الانضمام لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية‏,‏ فما هي السبل التي ترونها من أجل دفعها للانضمام للمعاهدة؟

‏*‏ أود في هذا الصدد الإشارة أولا إلي أنه أثناء التفاوض حول نصوص معاهدة عدم الانتشار في نهاية الستينيات من القرن الماضي‏,‏ رأت الدول غير النووية أن هناك قدرا من عدم التوازن بين التزامات الدول النووية والدول غير النووية‏,‏ وعلي هذا الأساس‏,‏ نجحت الدول غير النووية في تضمين نص بالغ الأهمية في صلب المعاهدة وهو الخاص بعقد مؤتمر بعد مرور‏25‏ سنة علي دخول المعاهدة حيز النفاذ للنظر في جدوي تمديد المعاهدة من عدمه‏.‏

وعلي هذا الأساس‏,‏ تم عقد هذا المؤتمر في عام‏1995‏ وتم علي أساسه المد اللانهائي للمعاهدة‏….‏ ونجحت مصر والدول العربية في أن تتضمن صفقة المد قرارا أمريكيا‏-‏ بريطانيا روسيا حول الشرق الأوسط ينص في صلبه علي ضرورة قيام جميع دول المنطقة بالانضمام إلي المعاهدة‏.‏

أما بالنسبة للسبل التي من شأنها دفع إسرائيل للانضمام إلي المعاهدة‏,‏ فإن مصر لا تألو جهدا لتحقيق هذا الهدف في مختلف المحافل الإقليمية والدولية وسنسعي لاستثمار هذه الرئاسة لإلقاء المزيد من الضوء علي الخطر الذي تمثله القدرات النووية الإسرائيلية ولحث كافة دول المجموعة علي التصدي لإسرائيل وحملها علي الانضمام للمعاهدة‏.‏

دعني أختتم حديثنا عن نزع السلاح مشيرا إلي أن جهدنا في تناول موضوعات نزع السلاح علي صعيد الجمعية العامة للأمم المتحدة يقع في سياق أوسع لتناولنا لتلك الموضوعات في المنتديات الأخري ذات صلة ولعل أهمها الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي نتقدم فيها سنويا بالقرار المطالب بتنفيذ ضمانات الوكالة علي جميع المنشآت النووية بالشرق الأوسط‏,‏ واهتمامنا لا يقتصر ولا يتوقف علي موضوعات منطقتا الإقليمية بل يمتد إلي جوانب وقضايا مبدئية‏…‏

دعني أعطيك مثالا محددا فهناك مثلا ما يسمي بالمبادرات متعددة الأطراف لضمان إمداد الوقود النووي‏…‏ وموقفنا واضح تجاهها‏,‏ إن حق الدول في الاستخدام السلمي لجميع أوجه الطاقة النووية هو حق أصيل‏.‏

ولكن هل يقتصر اهتمام وأجندة الجمعية العامة في مجال السلم والأمن الدوليين علي موضوعات نزع السلاح؟

‏*‏ بالطبع لا‏..‏ هناك ركن أساسي آخر وهو حفظ السلام‏,‏ ودعني أذكر لك بداية أن معظم القضايا المعروضة علي مجلس الأمن بصفة عامة تمس أفريقيا‏,‏ بل أنها نسبة قد تصل إلي‏70%‏ من حجم انشغال مجلس الأمن‏!‏ و

لك أن تتصور مدي أهمية أن تشارك أفريقيا‏,‏ وعلي رأسها منظمتها الإقليمية القارية وهي الاتحاد الأفريقي‏,‏ في القرار الدولي ممثلا في قرارات مجلس الأمن‏.‏ إذن‏,‏ فالسؤال مهم للغاية بل يدفعني لتأكيد أهمية التعاون بين المنظمتين العالمية والإقليمية في صيانة السلم والأمن الدوليين‏,‏ وهو ما دفعنا لطرح مبادرة مصرية ريادية حول توثيق العلاقة بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي خاصة من خلال مجلسي الأمن التابعين للمنظمتين‏.‏

الآن‏…‏ فيما يتعلق بسؤالك بالتحديد‏,‏ فبالتأكيد ترحب مصر بمساعي الأمم المتحدة الرامية لدعم الجهود الإقليمية لحفظ السلام بشكل عام‏,‏ وفي إفريقيا بوجه خاص‏,‏ خاصة في السودان والصومال ومنطقة البحيرات العظمي‏,‏ ونقدر ذلك الاهتمام مع تأكيدنا ضرورة تحقيق ذلك في إطار التعاون والتنسيق التام بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والدولة المعنية بالنزاع كما ذكرت لك‏.‏

ما دمنا نتحدث في قضايا الاهتمام التقليدي للأمم المتحدة‏…‏ هل استقرت حقوق الإنسان ضمن تلك القضايا الرئيسية التي تعني بها الأمم المتحدة؟

‏*‏ تعلم أن دورة هذه السنة تكتسب أهمية خاصة في ضوء رئاسة مصر الحالية لحركة عدم الانحياز‏.‏ وبناء عليه‏,‏ سوف ندفع بأولويات الحركة في مجال حقوق الإنسان‏;‏ والتي تتلخص في إعمال الحق في التنمية‏,‏ وتعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية‏,‏ والتصدي للانتهاكات الإسرائيلية المستمرة لحقوق الشعب الفلسطيني‏,‏ ومكافحة العنصرية‏,‏ واحترام حقوق المرأة والطفل‏,‏ وتعزيز التعاون الدولي في مجال حقوق الإنسان‏…‏

وكل ذلك في إطار موقفنا الثابت من كافة موضوعات حقوق الإنسان القائم علي الحوار البناء‏,‏ واحترام قيم المجتمعات وعقائدها‏,‏ والبعد عن المواجهات السياسية‏…‏ وقد أدت تلك الثوابت إلي أن يحظي الموقف المصري المبدئي بتأييد واسع من المجموعات الإسلامية والعربية والأفريقية‏,‏ ودول حركة عدم الانحياز‏.‏

ولكننا نلاحظ أن الدول الأوروبية عادة ما تتحجج بدعوي ممارسة حرية التعبير لكي لا تواجه حملات تشويه صورة المسلمين وخطابات الكراهية ضدهم‏,‏ بل تقوم بعض الدول باستغلال محافل حقوق الإنسان لتحقيق أهداف سياسية‏,‏ ومهاجمة الدول النامية فضلا عن محاولتها فرض عدد من المصطلحات المتناقضة مع القيم والمعتقدات الدينية‏…‏فكيف تتعامل الدبلوماسية المصرية مع كل ذلك؟

‏*‏ لا تقبل مصر هذه الحجج بل إننا نتحفظ تماما علي محاولات البعض اختزال هذه القضية كما لو كانت صراعا بين طرف يعلي الحق في التعبير وآخر يريد تقييد هذا الحق‏,‏ في حين أن حقيقة الأمر هي أننا ندعو فحسب إلي ضبط ممارسة حرية التعبير‏,‏ بما لا يمس حقوق وحريات الآخرين وفقا لمبادئ حقوق الإنسان‏,‏ بل إن احترام عقائد ومقدسات الأقليات المسلمة في أوروبا إنما يصب في صالح استقرار وتنمية المجتمعات الأوروبية في ظل إسهامات هؤلاء المهاجرين العرب الثرية اجتماعيا واقتصاديا في مجتمعات الاستضافة‏…‏

وأضرب لك مثالا آخر‏…‏ ففيما يخص مسألة تسييس قضايا حقوق الإنسان‏,‏ يتصدي وفدنا في الأمم المتحدة لأي محاولات لتسييس أعمال محافل حقوق الإنسان ولمنع استهداف دول نامية بعينها‏,‏ وطرح قرارات تدين أوضاع حقوق الإنسان فيها لتحقيق أهداف السياسات الخارجية لدول غربية‏…‏ كما يتعامل وفدنا بكل حسم مع سعي بعض الدول لإدراج مصطلحات تتناقض مع منظومتنا الدينية‏,‏ وفرض مفاهيم خارج نطاق التوافق الدولي في قضايا حقوق الإنسان‏.‏

وماذا عن مبادرة الحوار بين الأديان في ظل حركة عدم الانحياز؟

‏*‏ مصر هي رئيسة الحركة كما تعرفون جيدا‏…‏ ونسعي من خلال هذا الدور المهم أن نقدم شتي سبل التعاون وتحقيق التقارب بين أسرة عدم الانحياز وهي أسرة كبيرة تمتد لتشمل قارات العالم كله وعليه نضع علي سلم أولويتنا تحقيق أكبر قدر من التفاهم‏…‏ لذلك ترحب مصر ـ بصفتها الرئيس الحالي لحركة عدم الانحياز ـ بالمبادرة التي تقدمت بها الفلبين لعقد اجتماع وزاري لدول الحركة حول حوار الأديان وسيعقد في مانيلا في ديسمبر المقبل وسنجتمع في نيويورك علي هامش اجتماعات الجمعية العامة للتحضير لهذا الاجتماع‏.‏

وما هي المقترحات المصرية في هذا الشأن؟

‏*‏ ليست مجرد مقترحات‏…‏ وإنما رؤية مصرية واقتناع تام بأن هذا الحوار يجب أن يدار بين الأديان ليس باعتباره حوارا بين المعتقدات وإنما باعتباره حوارا أخلاقيا بين أتباع الأديان المختلفة من أجل إبراز المساحات الواسعة المشتركة بين الأديان‏…‏ كالتسامح واحترام الغير ونبذ التعصب والتطرف والتجريم المتبادل‏…‏ وهي للأسف أصبحت آفة هذا العصر ونشهد يوميا تصرفات وأعمالا إرهابية وعنصرية موجهة بدافع التعصب الديني ورفض الآخر وآخره ما رأيناه في ألمانيا‏.‏

وماذا عن مبادرة تحالف الحضارات؟ سمعنا عن هذه المبادرة لفترة ثم اختفت تماما‏…‏ لماذا؟

‏*‏ هذه الصورة غير كاملة‏…‏ مبادرة تحالف الحضارات هي إحدي أهم المبادرات المطروحة علي الساحة الدولية وأكثرها جدية‏…‏ خاصة كونها تمثل مبادرة رسمية في إطار الأمم المتحدة‏…‏ وقد حضرنا علي هامش الجمعية العامة اجتماعا لأصدقاء منتدي تحالف الحضارات‏,‏ ومصر عضو مؤسس بالمنتدي وشاركت في كل الاجتماعات السابقة وسنشارك في الاجتماع القادم والذي سيعقد بالبرازيل في مايو‏..2010‏ كما أنها تمثل أهمية خاصة بالنسبة لمصر في ظل التركيبة الحضارية والتاريخية الفريدة لها‏…‏ مما يفرض استمرار إسهامنا بدور محوري في تفعيلها خاصة في ظل الاحتقانات الثقافية والدينية علي المستويات المحلية والدولية علي السواء‏.‏

في معظم إجاباتكم أشرتم إلي الإسهامات الموضوعية لحركة عدم الانحياز‏…‏ وتأتي مشاركتكم في أعمال الجمعية العامة هذا العام في ظل رئاسة مصر التي بدأت منذ أشهر؟

‏*‏ حظيت مصر بشرف ترؤس حركة عدم الانحياز في وقت بالغ الأهمية في العلاقات الدولية‏…‏وقد شهد العالم كله الدور المحوري والنشط الذي اضطلعت به مصر عندما استضافت قمة الحركة في شرم الشيخ يومي‏15‏ و‏16‏ يوليو الماضي والتي شاركت فيها أكثر من‏120‏ دولة ومنظمة علي مستوي رؤساء الدول والحكومات ورؤساء الوزراء ووزراء الخارجية والأمناء العموم‏.‏

وقد أسندت حركة عدم الانحياز إلي مصر مهمة تنسيق أنشطة الدول الأعضاء في الحركة في مختلف المحافل الدولية‏.‏

في كلمات محددة وواضحة تحدث السيد أحمد أبوالغيط وزير الخارجية عن ملامح التحرك المصري خلال الفترة المقبلة تجاه العديد من القضايا الدولية‏,‏ وقال في حوار أجراه معه الأستاذ أسامة سرايا رئيس تحرير الأهرام قبيل سفره إلي نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة إن أجندة مصر حافلة بالقضايا والمقترحات الدولية‏,‏ وإننا نسعي إلي إحراز تقدم في تفعيل مبادرة الرئيس حسني مبارك للأمن الغذائي والتجميد المؤقت لديون إفريقيا‏,‏ وضرورة إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية وإخضاع المنشآت الإسرائيلية للضمانات الدولية‏.‏وحول الآثار السلبية لظاهرة تغير المناخ قال أبوالغيط إننا نتمسك بضرورة توفير الدول المتقدمة تمويلا دوليا للبلاد النامية لمواجهة الآثار السلبية لهذه الظاهرة ونقل التكنولوجيات العالمية الجديدة إليها‏.‏وأضاف أن مصر ترحب بمساعي الأمم المتحدة الرامية إلي دعم الجهود الدولية لحفظ السلام خاصة في السودان والصومال ومنطقة البحيرات العظمي‏.‏

وأكد وزير الخارجية أن موقفنا ثابت من قضايا حقوق الإنسان القائمة علي الحوار البناء واحترام قيم المجتمعات وعقائدها والبعد عن المواجهات السياسية‏,‏ وأضاف اننا ندعو إلي ممارسة حرية التعبير بما لايمس حقوق وحريات الآخرين واحترام مقدسات الأقليات المسلمة في أوروبا‏,‏ فالحوار بين الأديان يجب أن يدار باعتباره حوارا أخلاقيا لابراز المساحات الواسعة المشتركة بينها‏.‏

وقال الوزير ان رئاسة مصر حركة عدم الانحياز تعظم دورها في الأمم المتحدة‏,‏ وتساعدها علي التعبير عن مواقف وآراء دول الحركة‏.‏

وفيما يلي تفاصيل الحوار‏:‏
ما الذي ميز اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في هذه الدورة؟
‏*‏ أهم ما ميزها اجتماع رفيع المستوي حول تغير المناخ‏,‏ وقمة لأكبر الدول المساهمة بقوات في عمليات حفظ السلام‏,‏ وقمة لمجلس الأمن حول نزع السلاح ومنع الانتشار وقمة مجموعة الـ‏15‏ للدول النامية‏,‏ وإطلاق مبادرة القادة الأفارقة لمكافحة الملاريا‏,‏ واحتفالية مرور ستين عاما علي إنشاء وكالة الغوث والتشغيل للاجئين الفلسطينيين‏(‏ الأونروا‏)‏ واجتماع وزاري حول الأمن الغذائي‏…‏ هذه فقط أمثلة للاجتماعات التي عقدت في هذه الدورة خصيصا‏,‏ بالإضافة إلي الاجتماعات الوزارية الدورية لحركة عدم الانحياز ومجموعة الـ‏77‏ ومبادرة حوار الأديان‏,‏ وتحالف الحضارات والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي‏.‏

لماذا ركزت الجمعية العامة علي موضوعات تغير المناخ في هذه الدورة برغم وجود العديد من القضايا السياسية والاقتصادية الأخري التي لا تقل أهمية وإلحاحا علي جدول أولويات المجتمع الدولي؟
‏*‏ العالم يتطور ومعه التحديات التي تواجهه والقضايا التي تشغل باله‏…‏ وبالتالي‏,‏ يجب أن ندرك أن منهج عمل المنظمات الدولية لابد أن يتكيف مع ذلك العالم الجديد‏,‏ فلم يعد يركز علي الموضوعات السياسية البحتة كما كان في السابق‏.‏ فأصبحت الجمعية العامة تعقد اجتماعات قمة واجتماعات رفيعة المستوي تتناول موضوعات اقتصادية واجتماعية مهمة‏,‏ فقد انعقدت اجتماعات لمعالجة أزمة الغذاء العالمية‏,‏ والأزمة المالية‏,‏ والتنمية المستدامة‏,‏ وحقوق الإنسان‏,‏ والتنمية الاجتماعية وغيرها‏.‏

إن قضية تغير المناخ في هذا التوقيت بالذات مهمة جدا‏..‏ وهناك عدد من الاعتبارات المهمة‏..‏ فمن الناحية العملية سيعقد في ديسمبر المقبل اجتماع أساسي لأطراف اتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ‏,‏ وهو مكلف بالتوصل إلي اتفاق دولي حول كيفية الحد من تفاقم ظاهرة تغير المناخ من خلال ضبط وتخفيض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي تسبب ارتفاع حرارة الأرض‏,‏ ويحل الآن موعد الاتفاق علي التخفيضات للفترة التالية لذلك‏…‏ ولكن الأمر ليس بهذه السهولة حيث يثور حاليا جدل متصاعد بين الدول المتقدمة والدول النامية حول حجم وشكل التخفيضات المطلوبة‏.‏

وأود هنا أن أوضح أن الدول النامية تري أنها لم تسهم أصلا في ظاهرة تغير المناخ‏,‏ وأن تخفيض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في هذه المرحلة سيفرض قيودا علي فرصها في مواصلة النمو الاقتصادي‏,‏ وكذلك علي الدول المتقدمة أن تتحمل مسئوليتها التاريخية عن ظاهرة تغير المناخ‏,‏ فضلا عن ضرورة توفير التمويل الدولي اللازم للدول النامية لمواجهة الآثار السلبية لتغير المناخ‏;‏ ونقل التكنولوجيات الجديدة‏.‏

ما موقف مصر من هذه الظاهرة تحديدا كما أظهرتها في الاجتماعات؟
‏*‏ الرئيس مبارك كلف وزير الدولة لشئون البيئة بتمثيل مصر في الاجتماع رفيع المستوي‏.‏ ومعروف أن الرئيس يهتم اهتماما مباشرا بظاهرة تغير المناخ علي وجه التحديد‏.‏ فقد خصص كلمته التي ألقاها في الجلسة المغلقة لقادة مجموعة الثمانية في لاكويلا بإيطاليا في يوليو الماضي لموضوع تغير المناخ‏,‏ وأبرز أن إفريقيا تعد أكثر قارات العالم تعرضا للآثار السلبية لتغير المناخ في الوقت الذي تعتبر فيه أقل قارات العالم إسهاما في تفاقمه‏.‏

أليست هذه مفارقة غريبة وظالمة لفرص إفريقيا في النمو والتقدم‏..‏؟
‏*‏ هو وضع لابد من معالجته‏.‏ وتحديدا بالنسبة لمصر فهي من الدول المتعرضة للتهديد بالنسبة للدلتا التي يتركز فيها نشاطنا الزراعي والصناعي‏,‏ وبالتالي فنحن نتطلع للتوصل إلي صفقة عادلة ومتوازنة في مؤتمر أطراف اتفاقية تغير المناخ في كوبنهاجن‏,‏ تأخذ في اعتبارها التطلعات المشروعة للدول النامية لتحقيق النمو الاقتصادي القابل للدوام دون فرض أعباء تعطل جهود التنمية‏,‏ وضرورة توفير الدعم المالي والتقني اللازم للمساعدة علي التأقلم بما يحقق منافع مشتركة للجميع‏.‏

ما هو التنسيق الوطني بين الجهات الحكومية المصرية بشكل يعظم دورنا وإسهامنا في المفاوضات الجارية؟
‏*‏ هناك عمل فريق‏..‏ فلابد من تراكم الخبرات وتبادل الآراء‏..‏ مصر تشارك بفاعلية في الاجتماعات التفاوضية لاتفاقية تغير المناخ‏,‏ بوفد يضم ممثلين عن وزارة الخارجية إلي جانب ممثلي وزارات أخري ـ أهمها وزارات الدولة لشئون البيئة والبترول والكهرباء والاستثمار‏.‏ وتتولي تنسيق الموقف الإفريقي تجاه قضايا التمويل‏,‏ وهو يتلخص في أننا نتمسك بضرورة توفير تمويل حكومي من الدول المتقدمة لمواجهة متطلبات التكيف مع آثار تغير المناخ في الدول النامية وأن ذلك التمويل يجب أن يكون مناسبا أي كافيا للاحتياجات المتزايدة في هذا المجال‏,‏

وأن يكون من مصادر جديدة بخلاف مصادر المعونات التقليدية حتي لا يقتصر الأمر علي إعادة تسمية المساعدات الدولية القائمة تحت إطار تغير المناخ دون توفير تمويل إضافي‏,‏ وأن يتم توجيهه لتنفيذ أولويات الدول النامية‏.‏ كما نؤكد أننا نرحب بأي تمويل إضافي من القطاع الخاص علي أن يكون مكملا للتمويل الحكومي من الدول المتقدمة وليس بديلا عنه‏.‏

وهنا أعلن صراحة‏..‏ أننا نتحمل مسئوليتنا كاملة‏..‏ حيث نعلن أننا علي استعداد من حيث المبدأ للمساهمة في جهود تخفيض الانبعاثات العالمية بشرط توفر التمويل الدولي ونقل التقنيات اللازمة للدول النامية حتي لا تتأثر جهود التنمية أو تنافسية المنتجات المصرية‏.‏ ونتحفظ في هذا المجال علي أي إجراءات تتخذها بعض الدول من طرف واحد لفرض معايير لتخفيض الانبعاثات علي الدول النامية
ونحن لا نعمل وحدنا‏..‏ بل نسهم في تشكيل الموقف العام لمجموعة الـ‏77‏ بالتنسيق مع السودان التي تتولي رئاسة المجموعة في العام الجاري‏2009,‏ كما يتم التنسيق علي المستوي السياسي حول موضوعات تغير المناخ مع أهم شركاء التنمية في الدول المتقدمة من أجل التوصل إلي نتائج متوازنة في مؤتمر كوبنهاجن‏.‏

رغم أن حديثنا هنا كان عن قضايا البيئة إلا أنكم تطرقتم أكثر من مرة إلي جوانب العلاقات الاقتصادية الدولية‏,‏ ودورنا كمصر وسط هذه التجمعات‏,‏ بعدما شاركنا في القمة الأخيرة لمجموعة الثماني‏.‏

*‏ تعظيم وجودنا في المحافل الدولية هو هدف بديهي‏..‏ فبطبيعة الحال‏,‏ الدبلوماسية المصرية تعمل علي تعزيز إسهامنا في كافة كيانات الحوكمة الدولية ولا أظن أن هناك حدودا لطموحنا في تعزيز دورنا علي الساحة الدولية‏,‏ فنحن ننظر إلي مشاركتنا في مجموعة الثماني كخطوة مبدئية ناجحة‏,‏ إلا أن مصر تجد في نفسها القدرة علي تحمل المزيد من الأعباء والمسئوليات تجاه المجتمع الدولي ومحيطها الإقليمي‏..‏ وفي الواقع فإن المنظومة الدولية بأكملها في حاجة إلي التطوير والإصلاح بما يتوافق مع المعطيات الجديدة علي الساحة الدولية‏.‏

ولكن هل للأمم المتحدة دور حقيقي في ظل تعدد الكيانات التنظيمية كمجموعة العشرين ومجموعة الثمانية وتواصلها مع الدول النامية البازغة كما حدث في قمة لاكويلا؟
‏*‏ يستمد التنظيم الدولي شرعيته من حجم التمثيل الدولي به‏,‏ ولذلك فالأمم المتحدة هي المحفل الأكثر شرعية ومصداقية في العالم‏.‏ وقد طرحت عدة أفكار في السنوات الماضية علي المستوي الأكاديمي والدبلوماسي لتعزيز دور المنظمة الدولية‏,‏ أبرزها المقترح الخاص بإنشاء مجلس اقتصادي أمني عالمي علي غرار مجلس الأمن يأخذ علي عاتقه قيادة المنظومة الدولية الخاصة بوضع المعايير والرقابة المالية‏.‏

ويأتي دور الأمم المتحدة الاقتصادي في إطار الإصلاح الشامل للمنظمة‏,‏ وندرس المقترحات المماثلة بشكل متأن‏,‏ ونعمل علي إثراء ومناقشة مثل هذه الأفكار ونطالب بدور موسع للأمم المتحدة في الشأن الاقتصادي‏.‏

إذن ما هو تصوركم للشكل العام لهيكل الحوكمة الاقتصادية الدولية في ظل التطورات الجارية؟
‏*‏ أستطيع أن أذكر الخطوط العريضة للرؤية المصرية في هذا الشأن‏.‏ حيث ينقسم هيكل الحوكمة الدولية إلي منظمات لوضع المعايير والرقابة‏..‏ وإلي كيانات سياسية تعمل علي صياغة التوجه العام للمؤسسات الفنية المذكورة‏..‏ ونحن نتوقع علي المدي القصير توسيعا نسبيا في المشاركة الدولية في بعض هذه المؤسسات علي غرار منتدي الاستقرار المالي وتحويله إلي مجلس الاستقرار المالي‏,‏ بينما ستظل عملية التطوير بطيئة إلي حد كبير في مؤسستي بريتون وودز‏..‏

أما توسيع الكيانات ذات الطابع السياسي كمجموعتي الثمانية والعشرين وانضمام عدد أكبر من الدول النامية خاصة من أفريقيا يظل هو الهدف الأصعب بالنسبة للمجتمع الدولي ولكننا نقدر أن توسيع مجموعة الثمانية لتصبح مجموعة الأربعة عشر بمشاركة مصر هو خطوة علي الطريق الصحيح‏..‏ في كل الأحوال يأتي التوسيع والتطوير في مقدمة أولوياتنا‏..‏ ونلاحظ كذلك حاجة المجتمع الدولي إلي تقنين بعض الأنشطة والتوجهات الاقتصادية والمالية الحديثة كأنشطة صناديق الثروة السيادية والاستثمار الزراعي الخارجي‏.‏

تحدثتم علي مستوي عال جدا من التحليل حول المنظومة الاقتصادية العالمية وهيكلها وتوازناتها‏…‏ هل لنا أن نستعرض قضية معينة تهمنا جميعا مثل الأمن الغذائي؟
‏*‏ نسعي لإحراز تقدم في تفعيل مبادرة الرئيس مبارك المتعلقة بالأمن الغذائي‏..‏ فالمبادرة تتفق في جوهرها مع فكرة إنشاء شراكة عالمية للتنمية الزراعية والأمن الغذائي التي اعتمدتها الأمم المتحدة متمثلة في منظمة الأغذية والزراعة وكذلك قمة الاتحاد الأفريقي في شرم الشيخ وقمة مجموعة الأربعة عشر الأخيرة في لاكويلا‏…‏ ونفخر بأن المبادرة المصرية شكلت الأساس للتحرك الدولي تجاه مسألة الأمن الغذائي العالمي‏,‏ وهي بذلك تدلل علي قدرتنا علي تقديم حلول مبتكرة والنهوض بمسئولياتنا تجاه القضايا الدولية‏.‏

ألاحظ هنا‏..‏ أن العالم يتجه إلي منهج متعدد الأطراف في إدارة قضاياه الإستراتيجية ومنها قضية الأمن الغذائي‏,‏ والمبادرة المصرية تحظي بتأييد دولي واسع‏,‏ وسنعيد التأكيد عليها خلال قمة الأمن الغذائي في نوفمبر المقبل‏..‏ وهناك لاحظنا اهتماما أمريكيا بموضوع الأمن الغذائي‏,‏ وهناك دعوة موجهة إلي مصر لحضور اجتماع للمسئولين رفيعي المستوي للدول والمنظمات الدولية المعنية لمتابعة تنفيذ التزامات قمة لاكويلا تجاه قضية الأمن الغذائي والتنمية الزراعية‏..‏

سوف يحتل كل ذلك أهمية كبيرة لمشاركتنا في أعمال الجمعية العامة‏..‏ مثلا أنوي تلبية دعوة وزيرة الخارجية الأمريكية وسكرتير عام الأمم المتحدة لمشاركتي اليوم في الاجتماع المعنون‏’‏ المشاركة من أجل الأمن الغذائي‏’.‏

وماذا عن مسألة تخفيف عبء الديون علي الدول النامية ؟
‏*‏ مصر لها تجربة طويلة مع قضية الديون‏,‏ بدأت منذ بداية عملية التنمية الاقتصادية والتوسع الصناعي المصري في الستينيات من القرن الماضي‏,‏ ولنا تجارب تفاوضية مع نادي باريس‏.‏

وندعم المبادرات الدولية في هذا الشأن مثل مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون‏(‏ الهيبك‏)‏ والمبادرة متعددة الأطراف لتخفيف عبء الديون‏(‏ مدري‏),‏ كما أن تخفيف عبء الديون أحد أهداف وثيقة الألفية الإنمائية تحت بند تطوير شراكة عالمية من أجل التنمية‏,‏ ونهتم بهذه القضية بشكل خاص كونها قضية أفريقية من الدرجة الأولي حيث إن‏29‏ دولة من إجمالي دول الهيبك البالغ عددها‏35‏ دولة هي دول أفريقية‏.‏

وقد طالب الرئيس في مداخلته بقمة لاكويلا حول التحديات التي تواجه القارة الأفريقية بالتجميد المؤقت للديون الأفريقية‏.‏ وتفرض تكاليف خدمة الديون أعباء إضافية علي موازنات الدول النامية وهي بالطبع تلتهم جزءا من إيراداتها العامة وتؤثر كذلك علي تصنيف جدارتها الائتمانية مما يؤثر بدوره علي قدرتها علي الاقتراض ومدي جاذبيتها للاستثمارات الأجنبية‏.‏

هل تراجعت أولويات قضايا السلم والأمن الدوليين لدرجة أنها لم تعد تبحث علي مستوي القمة؟
‏*‏ هناك بالفعل عدد من الاجتماعات التي تعقد علي مستوي القمة‏,‏ لما نعتبره الاختصاص التقليدي والرئيسي للأمم المتحدة ألا وهو صيانة السلم والأمن الدوليين‏..‏ وجزء من تلك الأجندة هو موضوعات نزع السلاح ومنع الانتشار‏).‏

ما هو مضمون رسالة مصر حول السلم الدولي؟
‏*‏ أشرنا إلي ما لمسناه من إدارة الرئيس الأمريكي أوباما من بوادر فكر جديد في التعامل مع موضوعات نزع السلاح ومنع الانتشار‏,‏ وأملنا في أن تفضي هذه الأفكار إلي نهج عملي جديد يسهم مساهمة فعالة في تعزيز المنظومة الدولية في هذا المجال‏,‏ وأكدنا ضرورة إعطاء الأولوية لمسألة إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية بما يتطلبه ذلك من إخضاع المنشآت الإسرائيلية للضمانات الدولية‏…‏ كون إسرائيل هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي لا تزال خارج إطار المنظومة‏(‏ معاهدة منع الانتشار‏).‏

بالنسبة للأولويات المصرية‏,‏ فلعل أهم تلك التطورات هو انعقاد اللجنة التحضيرية الثالثة لمؤتمر مراجعة معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية الذي سوف يعقد عام‏2010‏ بنيويورك‏.‏ وقد قدمت مصر ورقة عمل مهمة خلال أعمال اللجنة التحضيرية تضمنت اقتراحاتها حول تفعيل قرار الشرق الأوسط لمؤتمر المراجعة والمد لعام‏1995‏ والخاص بإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية‏,‏ وتضمنت تلك الاقتراحات عقد مؤتمر دولي يضم جميع الأطراف المعنية بحلول عام‏2011‏ للبدء في التفاوض حول تلك المنطقة والتي يعد إنشاؤها من أهم الأولويات

ماذا عن دورمصر في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة؟
‏*‏ تقوم مصر بتقديم أو المشاركة في تقديم عدد من القرارات المهمة كل عام‏.‏ ولعل أهمها القرار المصري المعنون‏’‏ إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط‏’‏ والذي يطالب إسرائيل بالانضمام إلي معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية‏,‏ وتحقيق عالمية تلك المعاهدة التي تعتبر حجر أساس منظومة منع الانتشار ونزع السلاح النووي الدولية‏.‏

لا تزال إسرائيل ترفض الانضمام لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية‏,‏ فما هي السبل التي ترونها من أجل دفعها للانضمام للمعاهدة؟
‏*‏ أود في هذا الصدد الإشارة أولا إلي أنه أثناء التفاوض حول نصوص معاهدة عدم الانتشار في نهاية الستينيات من القرن الماضي‏,‏ رأت الدول غير النووية أن هناك قدرا من عدم التوازن بين التزامات الدول النووية والدول غير النووية‏,‏ وعلي هذا الأساس‏,‏ نجحت الدول غير النووية في تضمين نص بالغ الأهمية في صلب المعاهدة وهو الخاص بعقد مؤتمر بعد مرور‏25‏ سنة علي دخول المعاهدة حيز النفاذ للنظر في جدوي تمديد المعاهدة من عدمه‏.‏

وعلي هذا الأساس‏,‏ تم عقد هذا المؤتمر في عام‏1995‏ وتم علي أساسه المد اللانهائي للمعاهدة‏….‏ ونجحت مصر والدول العربية في أن تتضمن صفقة المد قرارا أمريكيا‏-‏ بريطانيا روسيا حول الشرق الأوسط ينص في صلبه علي ضرورة قيام جميع دول المنطقة بالانضمام إلي المعاهدة‏.‏

أما بالنسبة للسبل التي من شأنها دفع إسرائيل للانضمام إلي المعاهدة‏,‏ فإن مصر لا تألو جهدا لتحقيق هذا الهدف في مختلف المحافل الإقليمية والدولية وسنسعي لاستثمار هذه الرئاسة لإلقاء المزيد من الضوء علي الخطر الذي تمثله القدرات النووية الإسرائيلية ولحث كافة دول المجموعة علي التصدي لإسرائيل وحملها علي الانضمام للمعاهدة‏.‏

دعني أختتم حديثنا عن نزع السلاح مشيرا إلي أن جهدنا في تناول موضوعات نزع السلاح علي صعيد الجمعية العامة للأمم المتحدة يقع في سياق أوسع لتناولنا لتلك الموضوعات في المنتديات الأخري ذات صلة ولعل أهمها الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي نتقدم فيها سنويا بالقرار المطالب بتنفيذ ضمانات الوكالة علي جميع المنشآت النووية بالشرق الأوسط‏,‏ واهتمامنا لا يقتصر ولا يتوقف علي موضوعات منطقتا الإقليمية بل يمتد إلي جوانب وقضايا مبدئية‏…‏

دعني أعطيك مثالا محددا فهناك مثلا ما يسمي بالمبادرات متعددة الأطراف لضمان إمداد الوقود النووي‏…‏ وموقفنا واضح تجاهها‏,‏ إن حق الدول في الاستخدام السلمي لجميع أوجه الطاقة النووية هو حق أصيل‏.‏

ولكن هل يقتصر اهتمام وأجندة الجمعية العامة في مجال السلم والأمن الدوليين علي موضوعات نزع السلاح؟
‏*‏ بالطبع لا‏..‏ هناك ركن أساسي آخر وهو حفظ السلام‏,‏ ودعني أذكر لك بداية أن معظم القضايا المعروضة علي مجلس الأمن بصفة عامة تمس أفريقيا‏,‏ بل أنها نسبة قد تصل إلي‏70%‏ من حجم انشغال مجلس الأمن‏!‏ و

لك أن تتصور مدي أهمية أن تشارك أفريقيا‏,‏ وعلي رأسها منظمتها الإقليمية القارية وهي الاتحاد الأفريقي‏,‏ في القرار الدولي ممثلا في قرارات مجلس الأمن‏.‏ إذن‏,‏ فالسؤال مهم للغاية بل يدفعني لتأكيد أهمية التعاون بين المنظمتين العالمية والإقليمية في صيانة السلم والأمن الدوليين‏,‏ وهو ما دفعنا لطرح مبادرة مصرية ريادية حول توثيق العلاقة بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي خاصة من خلال مجلسي الأمن التابعين للمنظمتين‏.‏

الآن‏…‏ فيما يتعلق بسؤالك بالتحديد‏,‏ فبالتأكيد ترحب مصر بمساعي الأمم المتحدة الرامية لدعم الجهود الإقليمية لحفظ السلام بشكل عام‏,‏ وفي إفريقيا بوجه خاص‏,‏ خاصة في السودان والصومال ومنطقة البحيرات العظمي‏,‏ ونقدر ذلك الاهتمام مع تأكيدنا ضرورة تحقيق ذلك في إطار التعاون والتنسيق التام بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والدولة المعنية بالنزاع كما ذكرت لك‏.‏

ما دمنا نتحدث في قضايا الاهتمام التقليدي للأمم المتحدة‏…‏ هل استقرت حقوق الإنسان ضمن تلك القضايا الرئيسية التي تعني بها الأمم المتحدة؟
‏*‏ تعلم أن دورة هذه السنة تكتسب أهمية خاصة في ضوء رئاسة مصر الحالية لحركة عدم الانحياز‏.‏ وبناء عليه‏,‏ سوف ندفع بأولويات الحركة في مجال حقوق الإنسان‏;‏ والتي تتلخص في إعمال الحق في التنمية‏,‏ وتعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية‏,‏ والتصدي للانتهاكات الإسرائيلية المستمرة لحقوق الشعب الفلسطيني‏,‏ ومكافحة العنصرية‏,‏ واحترام حقوق المرأة والطفل‏,‏ وتعزيز التعاون الدولي في مجال حقوق الإنسان‏…‏

وكل ذلك في إطار موقفنا الثابت من كافة موضوعات حقوق الإنسان القائم علي الحوار البناء‏,‏ واحترام قيم المجتمعات وعقائدها‏,‏ والبعد عن المواجهات السياسية‏…‏ وقد أدت تلك الثوابت إلي أن يحظي الموقف المصري المبدئي بتأييد واسع من المجموعات الإسلامية والعربية والأفريقية‏,‏ ودول حركة عدم الانحياز‏.‏

ولكننا نلاحظ أن الدول الأوروبية عادة ما تتحجج بدعوي ممارسة حرية التعبير لكي لا تواجه حملات تشويه صورة المسلمين وخطابات الكراهية ضدهم‏,‏ بل تقوم بعض الدول باستغلال محافل حقوق الإنسان لتحقيق أهداف سياسية‏,‏ ومهاجمة الدول النامية فضلا عن محاولتها فرض عدد من المصطلحات المتناقضة مع القيم والمعتقدات الدينية‏…‏فكيف تتعامل الدبلوماسية المصرية مع كل ذلك؟
‏*‏ لا تقبل مصر هذه الحجج بل إننا نتحفظ تماما علي محاولات البعض اختزال هذه القضية كما لو كانت صراعا بين طرف يعلي الحق في التعبير وآخر يريد تقييد هذا الحق‏,‏ في حين أن حقيقة الأمر هي أننا ندعو فحسب إلي ضبط ممارسة حرية التعبير‏,‏ بما لا يمس حقوق وحريات الآخرين وفقا لمبادئ حقوق الإنسان‏,‏ بل إن احترام عقائد ومقدسات الأقليات المسلمة في أوروبا إنما يصب في صالح استقرار وتنمية المجتمعات الأوروبية في ظل إسهامات هؤلاء المهاجرين العرب الثرية اجتماعيا واقتصاديا في مجتمعات الاستضافة‏…‏

وأضرب لك مثالا آخر‏…‏ ففيما يخص مسألة تسييس قضايا حقوق الإنسان‏,‏ يتصدي وفدنا في الأمم المتحدة لأي محاولات لتسييس أعمال محافل حقوق الإنسان ولمنع استهداف دول نامية بعينها‏,‏ وطرح قرارات تدين أوضاع حقوق الإنسان فيها لتحقيق أهداف السياسات الخارجية لدول غربية‏…‏ كما يتعامل وفدنا بكل حسم مع سعي بعض الدول لإدراج مصطلحات تتناقض مع منظومتنا الدينية‏,‏ وفرض مفاهيم خارج نطاق التوافق الدولي في قضايا حقوق الإنسان‏.‏

وماذا عن مبادرة الحوار بين الأديان في ظل حركة عدم الانحياز؟
‏*‏ مصر هي رئيسة الحركة كما تعرفون جيدا‏…‏ ونسعي من خلال هذا الدور المهم أن نقدم شتي سبل التعاون وتحقيق التقارب بين أسرة عدم الانحياز وهي أسرة كبيرة تمتد لتشمل قارات العالم كله وعليه نضع علي سلم أولويتنا تحقيق أكبر قدر من التفاهم‏…‏ لذلك ترحب مصر ـ بصفتها الرئيس الحالي لحركة عدم الانحياز ـ بالمبادرة التي تقدمت بها الفلبين لعقد اجتماع وزاري لدول الحركة حول حوار الأديان وسيعقد في مانيلا في ديسمبر المقبل وسنجتمع في نيويورك علي هامش اجتماعات الجمعية العامة للتحضير لهذا الاجتماع‏.‏

وما هي المقترحات المصرية في هذا الشأن؟
‏*‏ ليست مجرد مقترحات‏…‏ وإنما رؤية مصرية واقتناع تام بأن هذا الحوار يجب أن يدار بين الأديان ليس باعتباره حوارا بين المعتقدات وإنما باعتباره حوارا أخلاقيا بين أتباع الأديان المختلفة من أجل إبراز المساحات الواسعة المشتركة بين الأديان‏…‏ كالتسامح واحترام الغير ونبذ التعصب والتطرف والتجريم المتبادل‏…‏ وهي للأسف أصبحت آفة هذا العصر ونشهد يوميا تصرفات وأعمالا إرهابية وعنصرية موجهة بدافع التعصب الديني ورفض الآخر وآخره ما رأيناه في ألمانيا‏.‏

وماذا عن مبادرة تحالف الحضارات؟ سمعنا عن هذه المبادرة لفترة ثم اختفت تماما‏…‏ لماذا؟
‏*‏ هذه الصورة غير كاملة‏…‏ مبادرة تحالف الحضارات هي إحدي أهم المبادرات المطروحة علي الساحة الدولية وأكثرها جدية‏…‏ خاصة كونها تمثل مبادرة رسمية في إطار الأمم المتحدة‏…‏ وقد حضرنا علي هامش الجمعية العامة اجتماعا لأصدقاء منتدي تحالف الحضارات‏,‏ ومصر عضو مؤسس بالمنتدي وشاركت في كل الاجتماعات السابقة وسنشارك في الاجتماع القادم والذي سيعقد بالبرازيل في مايو‏..2010‏ كما أنها تمثل أهمية خاصة بالنسبة لمصر في ظل التركيبة الحضارية والتاريخية الفريدة لها‏…‏ مما يفرض استمرار إسهامنا بدور محوري في تفعيلها خاصة في ظل الاحتقانات الثقافية والدينية علي المستويات المحلية والدولية علي السواء‏.‏

في معظم إجاباتكم أشرتم إلي الإسهامات الموضوعية لحركة عدم الانحياز‏…‏ وتأتي مشاركتكم في أعمال الجمعية العامة هذا العام في ظل رئاسة مصر التي بدأت منذ أشهر؟
‏*‏ حظيت مصر بشرف ترؤس حركة عدم الانحياز في وقت بالغ الأهمية في العلاقات الدولية‏…‏وقد شهد العالم كله الدور المحوري والنشط الذي اضطلعت به مصر عندما استضافت قمة الحركة في شرم الشيخ يومي‏15‏ و‏16‏ يوليو الماضي والتي شاركت فيها أكثر من‏120‏ دولة ومنظمة علي مستوي رؤساء الدول والحكومات ورؤساء الوزراء ووزراء الخارجية والأمناء العموم‏.‏

وقد أسندت حركة عدم الانحياز إلي مصر مهمة تنسيق أنشطة الدول الأعضاء في الحركة في مختلف المحافل الدولية‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى